ولما كان حديث اثنين أولى في الظاهر بالحفظ، وبأن ينفى عنه الغلط من حديث واحد: كان حديث الأكثر الذي هو أشبه أن يكون أولى بالحفظ من حديث من هو أحدث منه، وكان حديث خمسة أولى أن يصار إليه من حديث واحد. PageV01P278
وجه آخر مما يعد مختلفا،
وليس عندنا بمختلف.</span>
أخبرنا "ابن عيينة" عن "محمد بن العجلان" عن "عاصم بن عمر بن قتادة" عن "محمود بن لبيد" عن "رافع بن خديج" أن رسول الله قال: " أسفروا بالفجر، فإن ذلك أعظم للأجر، أو: أعظم لأجوركم " (1) . [ص: 283] أخبرنا "سفيان" عن "الزهري" عن "عروة" عن "عائشة" قالت: " كن النساء من المؤمنات يصلين مع النبي الصبح، ثم ينصرفن وهن متلفعات بمروطهن (2) ، ما يعرفهن أحد من الغلس (3) " (4) .
قال: وذكر تغليس النبي بالفجر "سهل بن سعد" وزيد بن ثابت" وغيرهما من أصحاب رسول الله، شبيه بمعنى "عائشة". PageV01P282
قال "الشافعي": قال لي قائل: نحن نرى أن نسفر [ص: 284] بالفجر اعتمادا على حديث "رافع بن خديج" ونزعم أن الفضل في ذلك، وأنت ترى أن جائزا لنا إذا اختلف الحديثان أن نأخذ بأحدهما، ونحن نعد هذا مخالفا لحديث "عائشة".
قال: فقلت له: إن كان مخالفا لحديث "عائشة"، فكان الذي يلزمنا وإياك أن نصير إلى حديث "عائشة" دونه، لأن أصل ما نبني نحن وأنتم عليه: أن الأحاديث إذا اختلفت لم نذهب إلى واحد منها دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي تركنا.
قال: وما ذلك السبب؟
قلت: أن يكون أحد الحديثين أشبه بكتاب الله، فإذا أشبه كتاب الله كانت فيه الحجة.
قال: هكذا نقول.
قلنا: فإن لم يكن فيه نص كتاب كان [ص: 285] أولاهما بنا الأثبت منهما، وذلك أن يكون من رواه أعرف إسنادا وأشهر بالعلم وأحفظ له، أو يكون روي الحديث الذي ذهبنا إليه من وجهين أو أكثر، والذي تركنا من وجه، فيكون الأكثر أولى بالحفظ من الأقل، أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بما سواهما من سنن رسول الله، أو أولى بما يعرف أهل العلم، أو أصح في القياس، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله.
قال: وهكذا نقول ويقول أهل العلم.
قلت: فحديث "عائشة" أشبه بكتاب الله، لأن الله يقول: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (238) " [البقرة] ، فإذا حل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم الصلاة. [ص: 286] وهو أيضا أشهر رجالا بالثقة وأحفظ، ومع حديث "عائشة": ثلاثة كلهم يروون عن النبي مثل معنى حديث "عائشة": "زيد بن ثابت" و"سهل بن سعد".
وهذا أشبه بسنن النبي من حديث "رافع بن خديج".
قال: وأي سنن؟
قلت: قال رسول الله: " أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله " (1) . [ص: 287] وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئا، والعفو لا يحتمل إلا معنيين: عفو عن تقصير، أو توسعة، والتوسعة تشبه أن يكون الفضل في غيرها، إذ لم يؤمر بترك ذلك الغير الذي وسع في خلافها.
قال: وما تريد بهذا؟ [ص: 288] قلت: إذ لم نؤمر بترك الوقت الأول، وكان جائزا أن نصلي فيه وفي غيره قبله، فالفضل في التقديم، والتأخير تقصير موسع.
وقد أبان رسول الله مثل ما قلنا، وسئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: " الصلاة في أول وقتها " (2) .
وهو لا يدع موضع الفضل، ولا يأمر الناس إلا به.
وهو الذي لا يجهله عالم: أن تقديم الصلاة في أول وقتها أولى بالفضل، لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعلل. [ص: 289] وهذا أشبه بمعنى كتاب الله.