وللناس تبر (2) غيره، من نحاس وحديد ورصاص، فلما لم يأخذ منه رسول الله ولا أحد بعده زكاة، تركناه، اتباعا بتركه، وأنه لا يجوز أن يقاس بالذهب والورق، الذين هما الثمن عاما في البلدان على غيرهما، لأنه في غير معناهما، لا زكاة فيه، ويصلح أن يشترى بالذهب والورق غيرهما من التبر إلى أجل معلوم وبوزن معلوم. PageV01P191
وكان الياقوت والزبرجد أكثر ثمنا من الذهب والورق، فلما لم يأخذ منهما رسول الله، ولم يأمر بالأخذ ولا من بعده علمناه، وكانا مال الخاصة، وما لا يقوم به على أحد في شيء استهلكه الناس، لأنه غير نقد، لم يأخذ منهما.
ثم كان ما نقلت العامة عن رسول الله في زكاة الماشية والنقد، أنه أخذها في كل سنة مرة.
وقال الله: " وآتوا حقه يوم حصاده (141) " [الأنعام] ، فسن رسول الله أن يؤخذ مما فيه زكاة من نبات الأرض، الغراس وغيره، على حكم الله - جل ثناؤه -، يوم يحصد، لا وقت له غيره.
وسن في الركاز الخمس، فدل على أنه يوم يوجد، لا في وقت غيره. [ص: 196] أخبرنا "سفيان" عن "الزهري" عن "ابن المسيب" و"أبي سلمة" عن "أبي هريرة"، أن رسول الله قال: " وفي الركاز الخمس " (1) .
ولولا دلالة السنة كان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في جميعها دون بعض. PageV01P195
[في الحج] .
وفرض الله الحج على من يجد السبيل، فذكر عن النبي: أن السبيل الزاد والمركب، وأخبر رسول الله بمواقيت الحج وكيف التلبية فيه، وما سن، وما يتقي المحرم من لبس الثياب والطيب، وأعمال الحج سواها، من عرفة والمزدلفة والرمي والحلاق والطواف، وما سوى ذلك.
فلو أن امرأ لم يعلم لرسول الله سنة مع كتاب الله إلا ما وصفنا، مما سن رسول الله فيه معنى ما أنزله الله جملة، وأنه إنما [ص: 198] استدرك ما وصفت من فرض الله الأعمال، وما يحرم وما يحل، ويدخل به فيه ويخرج منه، ومواقيته، وما سكت عنه سوى ذلك من أعماله: قامت الحجة عليه بأن سنة رسول الله إذا قامت هذا المقام مع فرض الله في كتابه مرة أو أكثر، قامت كذلك أبدا.
واستدل أنه لا تخالف له سنة أبدا كتاب الله، وأن سنته، وإن لم يكن فيها نص كتاب: لازمة، بما وصفت من هذا، مع ما ذكرت سواه، مما فرض الله من طاعة رسوله.
ووجب عليه أن يعلم أن الله لم يجعل هذا لخلق غير رسوله.
وأن يجعل قول كل أحد وفعله أبدا تبعا لكتاب الله ثم سنة رسوله.
وأن يعلم أن عالما إن روي عنه قول يخالف فيه شيئا [ص: 199] سن فيه رسول الله سنة، لو علم سنة رسول الله لم يخالفها، وانتقل عن قوله إلى سنة النبي - إن شاء الله - وإن لم يفعل كان غير موسع له.
فكيف والحجج في مثل هذا لله قائمة على خلقه، بما افترض من طاعة النبي، وأبان من موضعه الذي وضعه به من وحيه ودينه وأهل دينه.