وقال جل ثناؤه: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا، ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) " [البقرة] . [ص: 77] وقال: " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) " [آل عمران] .
وقال جل ثناؤه: " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) " [الجمعة] .
وقال: " واذكروا نعمة الله عليكم، وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به (231) " [البقرة] .
وقال: " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما (113) " [النساء] .
وقال: " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات [ص: 78] الله والحكمة. إن الله كان لطيفا خبيرا (34) " [الأحزاب] .
فذكر الله الكتاب، وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله.
وهذا يشبه ما قال، والله أعلم.
لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز - والله أعلم - أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله.
وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فرض، إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله.
لما وصفنا، من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرونا بالإيمان به. [ص: 79] وسنة رسول الله مبينة عن الله معنى ما أراد، دليلا على خاصه وعامه، ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فاتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله. PageV01P073
باب: فرض الله طاعة رسول الله مقرونة بطاعة الله، ومذكورة وحدها.
قال الله: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله، فقد ضل ضلالا مبينا (36) " [الأحزاب] .
وقال: " ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59) " [النساء] .
فقال بعض أهل العلم: أولوا الأمر: أمراء سرايا رسول الله - والله أعلم - وهكذا أخبرنا. [ص: 80] وهو يشبه ما قال - والله أعلم -، لأن كل من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة، وكانت تأنف أن يعطي بعضها بعضا طاعة الإمارة.
فلما دانت لرسول الله بالطاعة، لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله.
فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر الذين أمرهم رسول الله، لا طاعة مطلقة، بل طاعة مستثناة، فيما لهم وعليهم، فقال: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله (59) " [النساء] ، يعني: إن اختلفتم في شيء.
وهذا - إن شاء الله - كما قال في أولي الأمر، إلا أنه يقول: " فإن تنازعتم "، يعني - والله أعلم - هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم، " فردوه إلى الله والرسول "، يعني - والله اعلم - إلى ما قال الله [ص: 81] والرسول إن عرفتموه، فإن لم تعرفوه سألتم الرسول عنه إذا وصلتم، أو من وصل منكم إليه.
لأن ذلك الفرض الذي لا منازعة لكم فيه، لقول الله: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم (36) [الأحزاب] .