[باب الاستحسان]
قال: هذا كما قلت، والاجتهاد لا يكون إلا على مطلوب، والمطلوب لا يكون أبدا إلا على عين قائمة تطلب بدلالة [ص: 504] يقصد بها إليها، أو تشبيه على عين قائمة، وهذا يبين أن حراما على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر، والخبر - من الكتاب والسنة - عين يتأخى معناها المجتهد ليصيبه، كما البيت يتأخاه من غاب عنه ليصيبه، أو قصده بالقياس، وأن ليس لأحد أن يقول إلا من جهة الاجتهاد، والاجتهاد ما وصفت من طلب الحق. فهل تجيز أنت أن يقول الرجل: أستحسن بغير قياس؟
فقلت: لا يجوز هذا عندي - والله أعلم - لأحد، وإنما كان لأهل العلم أن يقولوا دون غيرهم، لأن يقولوا في الخبر باتباعه فيما ليس فيه الخبر بالقياس على الخبر. [ص: 505] ولو جاز تعطيل القياس جاز لأهل العقول من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خبر بما يحضرهم من الاستحسان.
وإن القول بغير خبر ولا قياس لغير جائز، بما ذكرت من كتاب الله وسنة رسوله، ولا في القياس.
فقال: أما الكتاب والسنة فيدلان على ذلك، لأنه إذا أمر النبي بالاجتهاد، فالاجتهاد أبدا لا يكون إلا على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلا بدلائل، والدلائل هي القياس، قال: فأين القياس مع الدلائل على ما وصفت؟
قلت: ألا ترى أن أهل العلم إذا أصاب رجل [ص: 506] لرجل عبدا لم يقولوا لرجل: أقم عبدا ولا أمة إلا وهو خابر بالسوق، ليقيم معنيين: بما يخبر كم ثمن مثله في يومه؟ ولا يكون ذلك إلا بأن يعتبر عليه بغيره، فيقيسه عليه، ولا يقال لصاحب سلعة: أقم إلا وهو خابر. [ص: 507] ولا يجوز أن يقال لفقيه عدل غير عالم بقيم الرقيق: أقم هذا العبد، ولا هذه الأمة ولا إجازة هذا العامل، لأنه إذا أقامه على غير مثال بدلالة على قيمته كان متعسفا.
فإذا كان هذا هكذا فيما تقل قيمته من المال وييسر الخطأ فيه على المقام له والمقام عليه -: كان حلال الله وحرامه أولى أن لا يقال فيهما بالتعسف والاستحسان.
وإنما الاستحسان تلذذ.
ولا يقول فيه إلا عالم بالأخبار، عاقل للتشبيه عليها.
وإذا كان هذا هكذا، كان على العالم أن لا يقول إلا من جهة العلم، - وجهة العلم الخبر اللازم - بالقياس بالدلائل [ص: 508] على الصواب حتى يكون صاحب العلم أبدا متبعا خبرا، وطالب الخبر بالقياس، كما يكون متبع البيت بالعيان، وطالب قصده بالاستدلال بالأعلام مجتهدا.
ولو قال بلا خبر لازم وقياس كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم جائزا
ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار، وما وصفت من القياس عليها.
ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، [ص: 510] وهي العلم بأحكام كتاب الله: فرضه، وأدبه، وناسخه، ومنسوخه، وعامه، وخاصه، وإرشاده.
ويستدل على ما احتمل التاويل منه بسنن رسول الله، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس.
ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم، ولسان العرب.
ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبيت.