وكان ممن أسلم، يوم الفتح وبعده، من الأشراف (1) نظراء من ذكرنا، ووثق رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة إيمانهم، وقوة نياتهم في الإسلام لله تعالى، فلم يدخلهم مدخل من أعطاه -: عكرمة بن ابي جهل، وعتاب بن أسيد بن ابي أمية، وجبير بن مطعم. PageV01P248
واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة عتاب بن أسيد؛ وهو شاب، ابن نيف وعشرين سنة، وكان في غاية الورع والزهد، فأقام الحج بالمسلمين تلك السنة. وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام، وحج المشركون على مشاعرهم.
وأتى كعب بن زهير بن أبي سلمى تائبا مادحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قبل ذلك يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل صلى الله عليه وسلم إسلامه ومدحه، وأثابه.
غزوة تبوك
(1)
هذه آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. وكان رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من عمرته بعد حصار الطائف كما ذكرنا في آخر ذي القعدة من سنة ثمان.
فأقام بالمدينة ذا الحجة، والمحرم، وصفرا، وربيعا الأول، وربيعا الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة. فلما كان في رجب من سنة تسع من الهجرة، أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو الروم؛ وذلك في حر شديد حين طاب أول الثمر، وفي عام جدب.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يكاد يغزو إلى وجه إلا ورى بغيره، إلا غزوة تبوك، فإنه صلى الله عليه وسلم بينها للناس، لمشقة الحال فيها، PageV01P249
وبعد الشقة، وقوة العدو المقصود. فتأخر الجد بن قيس أخو بني سلمة وكان متهما، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقاء، وهو غنى قوى، فأذن له وأعرض عنه، ففيه نزلت: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا} الآية [سورة التوبة، الآية: 49] .
وكان نفر من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، عند جاسوم (1) يثبطون الناس عن الغزو. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله في نفر، وأمرهم ن يحرقوا عليهم البيت، ففعل ذلك طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة، وكان في البيت، فوقع فانكسرت رجله. وفر أيضا ابن أبيرق، وكان معهم.
وأنفق ناس كثير من المسلمين واحتسبوا. فأنفق عثمان رضي الله عنه نفقة عظيمة، روى أنه حمل في هذه الغزوة على تسعمائة بعير، ومائة فرس، وجهز ركابها، حتى لم يفقدوا عقالا ولا شكالا (2) . وروى أيضا أنه أنفق فيها ألف دينار.
وهذه الغزوة أتى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم البكاؤون، وهم سبعة: سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وقيل: هو عبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعرباض PageV01P250
ابن سارية الفزاري. فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجدوا عنده ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون. فذكر أن ابن يامين بن عمرو بن كعب النضري حمل أبا ليلى وعبد الله بن مغفل على ناضح له يعتقبانه وزودهما تمرا (1) .
واعتذر المخلفون من الأعراب، فعذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .
ونهض عليه صلوات الله وسلامه، واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل: بل سباع بن عرفطة، وقيل: بل علي بن أبي طالب.