وانصرف إلى أصحابه فأخبرهم بهلاكه، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وتداعوا في قتله، فقال صلى الله عليه وسلم: هاتوا سيوفكم. فأروه إياها، فقال عن سيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.
غزوة بني لحيان
(1)
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح قريظة بقية ذي الحجة، والمحرم، وصفرا، وربيعا الأول، وربيعا الآخر، وجمادي الأولى، ثم خرج وهو الشهر السادس من فتح بني قريظة، في الشهر الثالث من السنة السادسة من الهجرة، كذا قالوا، والصحيح: أنها السنة الخامسة قاصدا إلى بني لحيان، مطالبا بثأر عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وأصحابهما، المقتولين بالرجيع، وذلك إثر رجوعه من دومة الجندل. فسلك صلى الله عليه وسلم على غراب، جبل بناحية على طريق الشام إلى مخيض (2) ، [ثم إلى] البتراء، ثم أخذ ذات اليسار فخرج على يين (3) ، ثم على صخيرات اليمام، ثم أخذ المحجة من طريق مكة، فأغذ السير حتى نزل غران (4) ، PageV01P200
واد بين أمج وعسفان، وهي منازل بني لحيان، إلى أرض يقال لها: ساية (1) ، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فاته غرتهم وتمنعوا في مائتي راكب من أصحابه، حتى نزل عسفان، وبعث عليه السلام رجلين من أصحابه فارسين، حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرا، ورجع عليه السلام قافلا إلى المدينة.
غزوة ذي قرد
(2)
وفي غزوة بني لحيان قالت الأنصار: إن المدينة خالية منا، وقد بعدنا عنها، ولا نأمن عدونا يخالفنا إليها، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على كل نقب من أنقابها ملكا يحميها بأمر الله عز وجل. ثم قفل حينئذ، فما هو إلا أن نزل المسلمون المدينة وبقوا ليالي، وأغار عليهم عيينة ابن حصن في بني عبد الله بن غطفان، فاكتسحوا لقاحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها رجل من بني غفار وامرأة، فقتلوا الغفارى، وحملوا المرأة واللقاح.
وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، وكان ناهضا إلى الغابة (3) ، فلما علا ثنية الوداع نظر إلى خيل الكفار، فصاح، فأنذر المسلمين، ثم نهض في آثارهم، فأبلى بلاء عظيما، ورماهم بالنبل حتى استنقذ PageV01P201
ما كان بأيديهم. فلما وقعت الصيحة بالمدينة، فكان أول من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرسان المقداد بن الأسود، ثم عباد بن بشر بن وقش من بني عبد الأشهل، وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل، وأسيد ابن ظهير أخو بني الحارثة، وعكاشة بن محصن الأسدي، ومحرز بن نضلة الأسدي الأخرم (1) ، وأبو قتادة الحارثة بن ربعي أخو بني سلمة، وأبو عياش بن زيد بن الصامت أخو بني زريق.
فلما اجتمعوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم سعد بن زيد، وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص، أو عائذ بن ماعص، وكان أحكم للفروسية من أبي عياش. وأول من لحق بهم: فمحرز بن نضلة الأخرم، فقتل رضي الله عنه، وكان على فرس لمحمود بن مسلمة من بني عبد الأشهل، أخذه إذ كان صاحبه غائبا، فلما قتل رجع الفرس إلى آريه (2) في بن عبد الأشهل؛ وقيل: قتله عبد الرحمن بن عيينة بن حصن، فركب فرسه، ثم قتل سلمة عبد الرحمن، واسترجع الفرس.
وكان اسم فرس المقداد: سبحة، وقيل: بعزجة (3) ؛ وفرس معاذ بن وقش: لماع (4) ؛ وفرس عكاشة بن محصن: ذو اللمة؛ وفرس سعد ابن زيد: لاحق؛ وفرس أبي قتادة: جروة (5) ؛ وفرس أسيد بن PageV01P202