فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم. ثم اتفقوا على ملاقاتهم، فرمى عبد الله ن واقد التميمي عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الخ والحكم ن كيسان، وأفلت (1) نوفل بن عبد الله، ثم قدموا العير والأسيرين، قد أخرجوا الخمس من ذلك فعزلوه، فذكر أنها أول غنيمة خمست. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلوا في الشهر الحرام، فسقط ف أيدي القوم، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير} الآية، إلى قوله: {حتى يؤدوكم عن دينكم إن استطاعوا} ، فقبض النبي صلى الله PageV01P105
عليه وسلم الخمس، وقسم الغنيمة، وقبل الفداء في الأسيرين؛ ورجع سعد وعتبة سالمين إلى المدينة.
وهذه أول غنيمة غنمت في الإسلام، وأول أسيرين أسرا من المشركين، وأول قتيل قتل منهم.
وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد يوم بئر معونة.
وأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة كافرا.
صرف القبلة
(1)
وصرفت القبلة عن بيت المقدس حينئذ، على سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدنة، وقد روى أن أول من صلى نحو الكعبة أبو سعيد بن المعلى الأنصاري، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم [يأمر] (2) بتحويل القبلة، فصلى ركعتين إلى الكعبة. وقيل: بل صرفت على ثمانية عشر شهرا، وقيل: على ستة عشر شهرا، لم يقل أحد أكثر ولا أقل. PageV01P106
بدر الثانية
(1)
وهي أكرم المشاهد، وهي بدر البطشة، وهي بدر القتال.
فأقام رسول صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا إلى رمضان من السنة الثانية، ثم اتصل به عليه صلوات الله تعالى وسلامه عيرا لقريش عظيمة فيها أموال كثيرة مقبلة من الشام إلى مكة، فيها ثلاثون رجلا من قريش، عميدهم أبو سفيان بن حرب، أو قيل: أربعون رجلا؛ من جملتهم: مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن العاصي؛ فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه العير، وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج، ولم يحتفل في الحشد، لأنه إنما قصد العير، ولم يقدر أنه يلقى حربا ولا قتالا، فاتصل بأبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج إليهم، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى أهل مكة مستنفرا لهم إلى نصر عيرهم، فنهض إلى (2) مكة، واستنفر، فنفر أهل مكة، وأوعبوا إلا اليسير (3) ، وكان ممن تخلف أبو لهب، ونفر سائر أشرافهم.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لثمان خلون من رمضان، واستعمل على المدينة عمرو بن أم مكتوم من بني عامر بن لؤي على الصلاة بالمسلمين، ثم رد أبا لبابة من الروحاء PageV01P107
واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، ودفع الراية: الواحدة إلى علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، والثانية إلى رجل من الأنصار، وقيل: كانتا سوادوين؛ وكان مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يومئذ، سبعون بعيرا يعتقبونها فقط، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد، يعتقبون بعيرا؛ وكان حمزة، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة موالى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا، وكان أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، يعتقبون بعيرا؛ وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة من بني النجار. وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ.