القسم الثاني ما حرم عليه من النكاح دون غيره
مسألة:
قالوا: كان يحرم عليه إمساك من اختارت فراقه على الصحيح، بخلاف غيره ممن يخير امرأته، فإنها لو اختارت فراقه لما وجب عليه فراقها، والله تعالى أعلم.
وقال بعضهم: بل كان يفارقها تكرما.
مسألة:
هل كان يحل له نكاح الكتابية؟ على وجهين: صحح النووي الحرمة، وهو اختيار ابن سريج والإصطخري وأبي حامد المروروذي، واستدل الشيخ أبو نصر بن الصباغ لهذا الوجه فقال: لقوله صلى الله عليه وسلم: «زوجاتي في الدنيا زوجاتي في
الآخرة» ، ثم حكى الوجه الآخر وهو الإباحة وكأنه مال إليه، ثم قال: والخبر لا حجة فيه، لجواز أن من تزوج به منهن أسلمن.
قلت: وهذا الحديث ليس له أصل يعتمد عليه في رفعه، وإنما هو من كلام بعض الصحابة، وقال أبو إسحاق المروزي: ليس بحرام.
وفي جواز تسريه بالأمة الكتابية، وتزوجه بالأمة المسلمة ثلاثة أوجه أصحها أنه يباح له تسري الكتابية، ولا يباح له نكاح الأمة المسلمة، بل يحرم.
وأما الأمة الكتابية: فقطع الجمهور بتحريم نكاحها عليه، وطرد الحناطي فيها وجهين، وهما ضعيفان جدا.
وفرعوا هنا فروعا فاسدة تركها أولى من ذكرها.
وهذا النوع من الخصائص الذي زجر عنه ابن خيران والإمام وهما مصيبان في ذلك، والله أعلم.
القسم الثالث ما أبيح له من النكاح دون غيره
مسألة:
مات صلوات الله وسلامه عليه عن تسع نسوة، واتفقوا على إباحة تسع، واختلف أصحابنا في جواز الزيادة، فالصحيح أنه كان له ذلك، ودليله ما في
البخاري عن بندار، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه في الساعة الواحدة من ليل او نهار، وهن إحدى عشرة.
قلت لأنس: هل كان يطيق ذلك؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين، وفي رواية أربعين.
ثم رواه البخاري من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس: وعنده تسع.
[وقال أنس: تزوج صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة، ودخل بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع] وقال قتادة أيضا.
وذكره ابن الصباغ في شامله قال: وقال أبو عبيد: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة امرأة، واتخذ من الإماء ثلاثا.
مسألة:
قالوا: وكان يصح عقده بلفظ الهبة، لقوله تعالى: {إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} وإذا عقده بلفظ الهبة فلا مهر بالعقد ولا بالدخول، بخلاف غيره.
وهل كان ينحصر طلاقه في الثلاث؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم، لعموم الآية.
وقيل: لا، لأنه لما لم ينحصر نكاحه في الأربع، لم ينحصر طلاقه في الطلقات الثلاث.
وهذا تعسف، لعدم التلازم.
مسألة:
وكان يباح له التزوج بغير ولي ولا شهود علىالصحيح، لحديث زينب بنت جحش أنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات.
رواه البخاري.
مسألة:
وهل كان يباح له التزوج في الإحرام؟ على وجهين:
أحدهما: لا، لعموم الحديث الذي في مسلم «عن عثمان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» .
والمخاطب داخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثرين.
وصححوا الجواز، لحديث ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم.
أخرجاه.
ولكن يعارضه ما رواه مسلم عن ميمونة نفسها: أنه تزوج بها وهما حلالان.