انتهى كلامه.
قلت: وهذا الفرع لم يكن إلى ذكره حاجة لعدم الفائدة منه، وما كان ينبغي أن يذكر، لولا ما يتوهم من إسقاطه إسقاط غيره مما ذكروه وإلا فالضرب عن مثل هذا صفحا أولى، والله أعلم.
ومن ذلك أنه لم يكن له خائنة الأعين، أي أنه لم يكن له أن يومئ بطرفه خلاف ما يظهره كلامه، فيكون من باب اللمز، ومستند هذا قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح حين كان قد أهدر صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح في جملة ما أهدر من الدماء، فلما جاء به أخوه من الرضاعة عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: يا رسول الله بايعه، فتوقف صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقوم إليه رجل فيقتله، ثم بايعه، ثم قال لأصحابه: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد أمسكت يدي
فيقتله؟ ! فقالوا: يا رسول الله هلا أومأت إلينا فقال: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» .
كتاب الطهارة
فمن ذلك أنه كان قد أمر بالوضوء لكل صلاة، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك، ومستنده «ما رواه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكذل صلاة.
» .
أخرجه أبو داود.
فالظاهر من هذا أنه أوجب عليه السواك، وهو الصحيح عند الأصحاب، قاله أبو زكريا، ومال إلى قوته الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد «عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه سينزل علي به قرآن أو وحي» .
«وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت على أضراسي» رواه البيهقي، وقال:
البخاري: هذا حديث حسن.
«وقال عبد الله بن وهب: حدثنا يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمرو مولى المطلب، عن المطلب عبد الله، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد لزمت السواك حتى تخوفت أن يدردني» .
رواه البيهقي، وفيه انقطاع بين المطلب وعائشة، فيشكل على هذا ما رواه الإمام أحمد «عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي» ، ولهذا قال بعض أصحابنا: إنه لم يكن واجبا عليه بل مستحبا.
ومن ذلك أنه كان لا ينتقض وضوؤه بالنوم، ودليله حديث ابن عباس في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ، ثم جاءه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ وسببه ما ذكر في حديث عائشة رضي الله عنها أنها سألته فقالت: يا رسول الله تنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة، تنام عيناي ولا ينام قلبي» أخرجاه.
واختلفوا: هل كان ينتقض وضوؤه بمس النساء؟ على وجهين،
والأشهر منهما الإنتقاض.
وكأن مأخذ من ذهب إلى عدم الانتقاض حديث عائشة في صحيح مسلم: أنها افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فوقعت يدها عليه وهو ساجد، وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كماأثنيت على نفسك» وجاء من غير وجه عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأو كان هذا القائل ذهب إلى تخصيص ذلك به صلى الله عليه وسلم، ولكن الخصوم لا يقنعون منه بذلك، بل يقولون: الأصل في ذلك عدم التخصيص إلا بدليل.