فصل غزوة حمراء الأسد
ولما أصبح يوم الأحد، ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلمين (إلى النهوض في طلب العدو، إرهابا لهم، وهذه غزوة حمراء الأسد، وأمر ألا يخرج معه إلا من حضر أحدا، فلم يخرج إلا من شهد أحدا، سوى جابر بن عبد الله، فإنه كان
أبوه استخلفه في مهماته، فقتل أبوه يوم أحد، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى حمراء الأسد، فأذن له.
فنهض المسلمون كما أمرهم صلى الله عليه وسلم، وهم مثقلون بالجراح، حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، فذلك قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} .
ومر معبد بن أبي معبد النزاعي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأجاره حتى بلغ أبا سفيان والمشركين بالرواء، فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد خرجوا في طلبهم، ففت ذلك في أعداد قريش، وكانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة فثناها ذلك واستمروا راجعين إلى مكة.
وظفر عليه الصلاة والسلام بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاصي فأمر بضرب عنقه صبرا، وهو والد عائشة أم عبد الملك بن مران، فلم يقتل فيها سواه.
فصل بعث الرجيع
ثم بعث صلى الله عليه وسلم بعد أحد بعث الرجيع، وذلك في صفر من السنة الرابعة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى عضل والقارة بسؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حين قدموا عليه وذكروا أن فيهم إسلاما، فبعث ستة نفر في قول ابن إسحاق، وقال البخاري في صحيحه كانوا عشرة.
وقال أبو القاسم السهيلي: وهذا هو الصحيح.
وأمر عليهم مرثد بن أبي االغنوي رضي الله عنهم.
ومنهم خبيب بن عدي، فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع، وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بالهدأة غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هزيلا، فجاؤوا فأحاطوا بهم فقتلوا عامتهم، واستأسر منهم خبيب بن عدي ورجل آخر وهو زيد بن الدثنة
فذهبوا بهما فباعوهما بمكة، وذلك بسبب ما كانا قتلا من كفار قريش من يوم بدر.
فأما خبيب رضي الله عنه فمكث عندهم مسجونا ثم أجمعوا لقتله فخرجوا به إلى التنعيم ليصلبوه فاستأذنهم أن يصلي ركعتين فأذنوا له: فصلاهما ثم قال: والله لولا أن تقولوا أن ما بي جزع لزدت، ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم وكلوا به من يحرسه، فجاء عمرو بن أمية فاحتمله بخدعة ليلا فذهب به فدفنه.
وأما زيد بن الدثنة رضي الله عنه فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه.
وقد قال له أبو سفيان: أيسرك أن محمدا عندنا تضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه.