قال سهل: فلا بد للعبد من مولاه، ولا بد له من كتابه، ولا بد له من نبيه صلى الله عليه وسلم، إذ قلبه معدن توحيده، وصدره نور من جوهره أخذ قواه من معدنه إلى هيكله، فمن لم يكن عنده شيء يتبع به أو أضرب عنه كذلك لم تكن الجنة منزلا له، وإذا لم يكن الله معه وناصره فمن معه، وإذا لم يكن القرآن إمامه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم له شافعا من يشفع له، وإذا لم يكن في الجنة فهو في النار.
وقوله: «صدره نور» أي موضع النور. «من جوهره» : وهو أصل محل النور في الصدر الذي منه ينتشر النور في جميع الصدر. وإضافة الجوهر إلى الله تعالى ليس المراد ذاته، وإنما هي على طريق الملك. «أخذ قواه» : يعني قوى النور من معدنه، وهو الصدر وما حل مصدق. «إلى هيكله» : يعني إلى جوارحه، وإنما عنى بها نور الطاعات التي في الجوارح، فمن لم يكن عنده شيء من الهداية سمع به، أي فهم به.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن شافع مشفع وما حل مصدق، فمن شفع له القرآن نجا، ومن محل به هلك» «1» . وقال سهل: إن الله تعالى أنزل القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم، وجعل قلبه معدنا لتوحيده والقرآن، فقال: نزل به الروح الأمين (193) على قلبك [الشعراء: 193- 194] وكلفه تبليغه والبيان عنه ليعلم المؤمنون به ما أنزل إليهم، فمن آمن به وعلم تبيانه وعمل بحكمه كان كامل الإيمان لله تعالى، ومن آمن به وقرأه ولم يعمل بعلم ما فيه لم يكمل أجره. والناس في قراءة القرآن على ثلاثة مقامات فقوم أعطوا الفهم بقيامهم بأداء الأمر واجتناب النهي من PageV01P016
الظاهر والباطن، وصدقهم فيه بنور بصيرة اليقين، وهو سكون القلب إلى الله تعالى في كل حال وعلى كل حال، فليس لهؤلاء همة في الألحان ولا في التطريب بطيبة الصوت تكلفا، إنما همهم التفهم وطلب المزيد من الله تعالى فهما لأمره ونهيه. والمراد من أحكام فرضه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهم بعلمه عاملون، وبالله مستعينون، وعلى آدابه صابرون كما أمرهم بقوله: استعينوا بالله واصبروا [الأعراف: 128] أي استعينوا بالله على أمر الله بالسنة فرضا، أي سنة الله، واصبروا على آدابه باطنا وظاهرا، كي يكسبكم فهما وفطنة. والمراد منه تفضلا لا يبالون بطيب حنجرة الأصوات، فهم الذين أعطاهم الله تعالى فهم القرآن، هم خاصة الله وأولياؤه، لا هم للدنيا، ولا الدنيا منهم في شيء، ولا فيما في الجنة رغبوا، أخذ منهم الدنيا فلم يبالوا، وهبها لهم فردوها كما ردها نبيهم صلى الله عليه وسلم لما عرضت عليه، طرحوا أنفسهم بين يديه رضى وسكونا إليه وقالوا: لا بد لنا منك أنت أنت، لا نريد سواك، فهم المتفردون بالله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سيروا، سبق المفردون إلى رحمة الله، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذين اهتروا بالذكر لله تعالى، يأتون يوم القيامة خفافا قد حط الذكر عنهم أثقالهم» «1» . قال سهل: هم المشايخ المهترون «2» في الذكر بالذكر لله تعالى، مجالسون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: «أنا جليس من ذكرني حيثما التمسني عبدي وجدني» «3» ، وقال تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] .