ومنها بيان الحق فيما يشكل من الأمور غير العقائد كقوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} وكقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن أين يكون الشبه" فانظر كيف أعطى في هذه الأحرف اليسيرة الحجة على من أنكر احتلام المرأة فلا أبين من هذا البيان ولا أشفى للمرتاب من هذا القول فإنه يرى إحدى المقدمتين عيانا وهو شبه الولد بأمه ويعلم قطعا أنه ليس هناك سبب يحال الشبه عليه غير الذي أنكر
ومنها تمكين الانفعالات النفسانية من النفوس مثل الاستعطاف والإعراض والإرضاء والإغضاب والتشجيع والتخويف ويكون في مدح وذم وشكاية واعتذار وإذن ومنع وينضم إلى قوة القول البلاغي معنى متصل إعانة لها مثل فضيلة القائل وحمية النازع وقوة البليغ على إطراء نفسه وتحسين رأيه
ومن ذلك استدعاء المخاطب إلى فضل تأمل وزيادة تفهم قال تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} وكذلك قوله: {وما يعقلها إلا العالمون} وسر هذا أن السامع يحرص على أن يكون من هؤلاء المثنى عليهم فيسارع إلى التصديق ويلقى في نفسه نور من التوفيق
ويكون هذا القول البلاغي ما يسمى الضمير ويسمى التمثيل وأعني بالضمير
أن يضمر بالقول المجادل به البيان أحد حرفيه كقول الفقيه النبيذ مسكر فهو حرام وكقوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا}
وقد يكون هذا الإضمار في القياس الاستثنائي أيضا كقولك لو كان فلان عزيزا لمنع بأعنة الخيل جاره أو جوادا لشب لساري الليل ناره معولا على أنه قد علم أنه ما منع ولا شب فيثبت بذلك مقابله وهو البخل والذلة ومن هذا قوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} وقد شهد الحس والعيان أنهم ما انفضوا من حوله وهي المضمرة فانتفى عنه صلوات الله عليه أنه فظ غليظ القلب
ومن أحسن ما أبرز فيه هذا المضمر قول الشاعر:
ولو كان عبد الله مولى هجوته
ولكن عبد الله مولى مواليا
ومثال الاستمالة والاستعطاف قوله تعالى عن آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وحسبك إمام المتقين حين سمع شعر القائلة:
ما كان ضرك لو مننت وربما
من الفتى وهو المغيظ المحنق
قال: لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لما قتلته
وقال الآخر:
ونحن الكاتبون وقد أسأنا
فهبنا للكرام الكاتبينا
ومن الاستمالة والاسترضاء ما لا يخرق السمع أنفذ منه إلى القلوب وأوقع على المطلوب قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار وقد وجدوا في نفوسهم قسمة الغنائم في غيرهم: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم كذا ألم أجدكم كذا ثم قال أجيبوني فما زادوا على قولهم الله ورسوله أمن فقال عليه الصلاة والسلام أما إنكم إن شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم جئتنا بحال كذا وكذا" فانظر ما أعجب هذا استشعر منهم عليه السلام أن إمساكهم عن الجواب أدب معه لا عجز عنه فأعلمهم بأنهم لو قالوا صدقوا ولم يكن هو بالذي يغضب من سماعه ثم زادهم تكريما بقوله: "أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتنصرفوا برسول الله إلى رحالكم" ثم زاد يمينه المباركة البرة على فضل ما ينصرفون به اللهم انفعنا بمحبته وتفضل علينا بشفاعته
ومما تجد من هذا الطراز قول بعضهم:
أناس أعرضوا عنا
بلا جرم ولا معنى
أساءوا ظنهم فينا