[معرفة أنواع علوم الحديث]
المؤلف: عثمان بن عبد الرحمن، أبوعمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643ه)
المحقق: عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين الفحل
الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 1423 ه / 2002 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي]
أعده للشاملة: أسامة بن الزهراء، فريق عمل المكتبة الشاملة PageV00P000
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
((ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين)) (1).
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.
آل عمران: 102.
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}. النساء: 1.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}. الأحزاب: 70 - 71.
أما بعد:
فقد اصطفى الله تعالى هذه الأمة، وشرفها إذ اختار لها هذا الدين القويم، وجعل أساسها المشيد وركنها الركين ((كتابه العزيز))، وهيأ هذه الأمة لتضطلع بتلك المهمة، ألا وهي حفظ هذا الكتاب الذي تعهد الله تبارك وتعالى سلفا بحفظه، فقال:
{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. الحجر: 9، فرزقها جودة الفهم وقوة الحافظة، ووفور الذهن، فلم يتمكن أحد - بحمد الله - من أن يجرأ فيزيد أو ينقص حرفا أو حركة منه. PageV01P005
ولما تعهد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، كان مما احتواه هذا العهد ضمنا حفظ سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك حفظ أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بأسانيدها فكان الإسناد أحد الخصائص التي اختص الله تعالى بها أمة صفيه - صلى الله عليه وسلم -.
ولقد أدرك الصدر الأول أهمية ذلك، فروى الإمام مسلم (1) وغيره عن محمد ابن سيرين أنه قال: ((إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)) وروى (2) عنه أنه قال: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)).
ومن ثم افتقر الأمر إلى معرفة ضبط الراوي وصدقه، فكانت الحاجة ماسة إلى استكمال هذا الأمر، فكان نشوء ((علم الجرح والتعديل)) أو ((علم الرجال)).
وعلى الرغم من أن هذا العلم لم يكن فجائي الظهور، إلا أنه لا مناص من القول بأنه كان مبكر الظهور جدا، وينجلي ذلك مما نقلناه سالفا عن ابن سيرين، وقد كان المسلمون مطمئنين إلى أن الله تعالى يهيئ لهذا الأمر من يقوم به ويتحمل أعباء هذه المهمة الجسيمة، فقد أسند ابن عدي في مقدمة " الكامل " (3)، وابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " (4) أنه قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة، {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.