بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
يقول الفقير إلى عفو ربه: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي -لطف الله به-: الحمد لله الذي أجزل لنا المنة، وجملنا بأن جعلنا من حملة السنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها لهول يوم القيامة جنة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أول من يقرع باب الجنة، المبعوث إلى كافة الإنس والجنة - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وصحبه الذين جعل حبهم آية الإيمان ومظنه.
هذا تعليق على صحيح الأستاذ شيخ الإسلام أمير المؤمنين: أبى عبد الله البخارى يسمى ب "التوشيح"، يجري مجرى تعليق الإمام بدر الدين الزركشي المسمى ب "التنقيح"، وهو بما حواه من الفوائد والزوائد يشتمل على ما يحتاج إليه القارئ والمستمع من: ضبط ألفاظه، وتفسير غريبه، وبيان اختلاف رواياته، وزيادة في خبر لم ترد في طريقه، وترجمة ورد بلفظها حديث مرفوع، ووصل تعليق لم يقع في "الصحيح" PageV01P041
وصله، وتسمية مبهم، وإعراب مشكل، وجمع بين مختلف، بحيث لم يفته من الشرح إلا الاستنباط.
وقد عزمت على أن أضع على كل من الكتب الستة كتابا على هذا النمط ليحصل به النفع بلا تعب، وبلغ الأرب بلا نصب، حقق الله تعالى ذلك بمنه وكرمه.
*** PageV01P042
فصل في بيان شرط البخاري وموضوعه
اعلم أن البخاري لم يوجد عنه تصريح بشرط معين، وإنما أخذ ذلك من تسميته للكتاب، والاستقراء من تصرفه.
فأما أولا فإنه سماه: "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه".
فعلم من قوله "الجامع": أنه لم يخص بصنف دون صنف، ولهذا أورد فيه الأحكام والفضائل والإخبار عن الأمور الماضية والآتية، وغير ذلك من الآداب والرقائق.
ومن قوله "الصحيح": أنه ليس فيه شيء ضعيف عنده، وإن كان فيه مواضح قد انتقدها غيره، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلت في "الجامع" إلا ما صح. PageV01P043
ومن قوله "المسند": أن مقصوده الأصلي تخريج الأحاديث التي اتصل إسنادها ببعض الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء كانت من قوله أم فعله أم تقريره، وإن ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وقع تبعا وعرضا لا أصلا مقصودا (1).
وأما ما عرف بالاستقراء من تصرفه: فهو أنه يخرج الحديث الذي اتصل إسناده، وكان كل من رواته عدلا موصوفا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبر ذلك التقصير، وخلا عن أن يكون معلولا، أي: فيه علة خفية قادحة، أو شاذا، أي: خالف رواية من هو أكثر عدلا منه، أو أشد ضبطا مخالفة تستلزم التنافى، ويتعذر معها الجمع الذي لا يكون متعسفا.
والاتصال عندهم: أن يعبر كل من الرواة في روايته عن شيخه بصيغة صريحة في السماع منه: ك "سمعت"، و"حدثني"، و"أخبرني"، إذ ظاهره فيه ك "عن"، أو "أن فلانا قال"، وهذا الثاني في غير المدلس الثقة، أما هو فلا يقبل منه إلا المرتبة الأولى، PageV01P044 # وشرط حمل الثاني على السماع عند البخاري أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من حدث عنه، ولو مرة واحدة.
وعرف بالاستقراء من تصرفه في الرجال الذين يخرج لهم أنه ينتقي أكثرهم صحبة لشيخه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة، فإنما يخرج من المتابعات، أو حيث تقوم له قرينة بأن ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديما وحديثا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث.