مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن وتمم بخير
الحمد لله المرشد إلى الجامع الصحيح حديث المصطفى، والمسعد من هداه للتفقه فيه والعمل به، فكان ممن اصطفى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فهو حسبنا وكفى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للعالمين رحمة وزاده شرفا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه نجوم الهدى أولي الفضل والوفا، والتابعين لهم بإحسان ما راق مورد اقتفائهم وصفا.
وبعد:
فلما كان كتاب "الجامع الصحيح من حديث سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" من تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- أصح كتاب جمع في الوحي بعد القرآن، وأسند أسانيد باتفاق الحفاظ أهل الإتقان، هذا مع ما وشحه به من استنباط علوم وفوائد تجل عن الانحصار، ومن مقالات الصحابة فمن بعدهم من العلماء، والإشارة إلى مداركها الغزار، فعم فضله وبركته الأمصار والأقطار على توالي الأزمان وتمالي الأعصار، ووصفه أعلام الإسلام PageV01P003 # بأنه بحر لا يدرك قراره.
= عني بشرحه والكلام عليه متنا وإسنادا أئمة الأمة، وخدموه بعلومهم الجمة أحسن خدمة، كل يروم الظفر بجواهر علومه، والتقاط درر منطوقه ومفهومه، ما بين مختصر ومطول، ومتوسط فيما عليه يعول، كل منهم يرى أنه سلك طريق السوا، ولكل منهم أجر عمله بقدر ما نوى.
وقد لهج أهل هذا الزمان في مصر ونحوها من البلدان، بكتابين:
أحدهما: شرح العلامة شمس الدين الكرماني نحو خمسة أسفار، تتبع فيها ألفاظه، وأوضحها بالضبط والإعراب بأحسن اختصار، وشحنه بفوائد كثيرة، ولطائف غزيرة، إلا أنه كرر فيه كثيرا، لا سيما في التراجم والأسماء، فإنه زاد تكريرا، وربما أغلق في بعض العبارة، وأطال بما يمكن أن يشار إليه بأخصر إشارة، وربما قدم ما يحسن تأخيره، وأخر ما يحسن تقديمه وتوفيره، وربما غاير بين أقوال راجعة في المعنى إلى واحد، حتى كاد أن تلتبس في ذلك المقاصد.
والثاني: كتاب "التنقيح"، سفر كبير جمعه شيخنا الإمام العلامة بدر الدين محمد بن الزركشي في ضبط ألفاظه، وبيان غريبها، وإعراب ما أشكل، والجواب عما لعله يستشكل.
فعم نفع هذين الكتابين ببركة قصدهما الجميل، وفضلهما الجزيل، لكن ربما وقع فيهما بعض إيهام، ولا سيما "التنقيح"، فربما PageV01P004 # وقع فيه تصحيف من النساخ؛ لاستغلاق خط مصنفه الدقيق مع قصور الأفهام، وربما تعرض لبيان الواضح؛ لقصده في الأصل نفع المبتدئ في قراءة "البخاري" قصد ناصح، فقد أخبرني أنهم سألوه في ذلك لقلة محصولهم في المسالك، وذكر لي أنه كتب عليه شرحا مطولا، ووعد بأنه سيبيضه؛ ليتضح ما ضمه من شروحه مفصلا، لكني لم أقف على شيء منه في حياته، ولا ظفرت به عند أحد بعد مماته.
فأردت أن أجمع بين هذين الكتابين باختصار، وأحذف كثيرا مما وقع فيهما من التكرار، وأنبه على ما قد أظفر به مما قد يظهر أنه وهم أو خلاف الراجح المختار، وربما أزيد عليهما -مع استيعابهما- فوائد كثيرة لا يستغنى عنها، وأمورا يظهر أنه لا بد منها، ومع ذلك أرجو من فضل الله -عز وجل- وعونه أن لا يزيد على نصف حجمهما.
فمما أضمه إليهما: وصل ما أهملا وصله من التعليقات، وتسمية ما أغفلاه من تفسير المبهمات، والجواب عما اعترض به الدارقطني، والإسماعيلي، وغيرهما في الأسانيد والمتون مما ليس من الواضحات، وذلك غالبا من تصانيف بعض الحفاظ العصريين، ومما فتح الله بفضله المبين.