مقدمة مصابيح السنة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى والصلاة التامة
الدائمة على رسوله المجتبى محمد سيد الورى وعلى آله نجوم
الهدى.
قال الشيخ الإمام الأجل السيد, محيي السنة, ناصر الحديث
ركن الإسلام, قدوة الأمة, إمام الأئمة, أبو محمد الحسين بن
مسعود الفراء, البغوي, نور الله قبره:
أما بعد, فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة, وسنن سارت
عن معدن الرسالة, وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم
النبيين, هن مصابيح الدجى, خرجت عن مشكاة التقوى التقي, مما
أوردها الأئمة في كتبهم, جمعتها للمنقطعين إلى العبادة, لتكون لهم
بعد كتاب الله حظا من السنن, عونا على ما هم فيه من الطاعة.
تركت ذكر أسانيدها حذرا من الإطالة عليهم, واعتمادا على نقل
الأئمة, وربما سميت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
لمعنى دعا إليه وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان. PageV01P015
أعني ب (الصحاح): ما أخرجه الشيخان, أبو عبد الله محمد بن
إسماعيل الجعفي البخاري, وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري
النيسابوري رحمهما الله, في جامعيهما, أو أحدهما.
وأعني ب (الحسان) ما أورده أبوداود سليمان بن الأشعث
السجستاني وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي, وغيرهما من
الأئمة في تصانيفهم - رحمهم الله - مما لم يخرجه الشيخان, وأكثرها
صحاح بنقل العدل عن العدل غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين
في علو الدرجة من صحة الإسناد, إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق
حسن.
وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه, وأعرضت عن
ذكر ما كان منكرا أو موضوعا, والله المستعان وعليه التكلان.
روى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
" إنما الأعمال بالنيات وإنما لامريء ما نوى, فمن كانت هجرته إلى
الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا
يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه "
(عنوان الكتاب)
(قوله: وربما سميت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعنى دعا إليه) PageV01P016 # لذكر الصحابي فوائد:
الأولى: معرفة الناسخ والمنسوخ, لأنه إذا تعارض خبران,
وعلم أن أحدهما يرويه من كان له صحبة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - زمانا
محدودا, وراوي الآخر أسلم بعد انقطاع صحبته, علم أن الأول
منسوخ بالثاني.
والثانية: التنبيه على رجحان الخبر بحال الراوي من علمه وزيادة
ورعه وعلو منصبه, إلى غير ذلك, كما بيناه في كتابي "المنهاج"
و"المرصاد"
والثالثة: أن الحديث الواحد قد يروى عن جماعة بطرق مختلفة
طعن في فروع بعضهم, فينسب الحديث إلى الآخر توقيا عن ذلك.
والرابعة: أن المعاني المتقاربة قد تروى عن أشخاص من
الصحابة بألفاظ متفاوتة, فيذكر الصحابي الذي يرويه بهذه العبارة
تمييزا لها عن أخواتها.
(قوله: وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه)
مر تعريف أقسام الأحاديث, ولقائل أن يقول: الضعيف - كما
ذكرت - ساقط عن درجة الاعتبار والاحتجاج, فلم أثبته في تضاعيف
ما أورده؟
وجوابه: أن حاصل الضعيف, راجع إلى طعن رمي به الراوي, PageV01P017 # وليس كذلك ما هو قادح عند أحد قادحا عند كل أحد، فإن مجال
الخلاف في أسباب الجرح فسيح, فلعل الحديث الضعيف عنده لم