باب
إثبات عذاب القبر
من الصحاح:
54 - 92 - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال::" إن العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه, وإنه ليسمع قرع نعالهم = أتاه ملكان وفيقعدانه, فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - لمحمد -, فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله, فيقال له ك انظر إلى مقعدك من النار, قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة, فيراهما جميعا, وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: PageV01P110
لا أدري كنت أقول ما يقول الناس, فيقال له: لا دريت ولا تليت, ويضرب بمطرقة من حديد ضربة, فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ".
(باب إثبات عذاب القبر)
(من الصحاح):
" عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه " الحديث.
(القرع): الصوت.
وقوله: " إنه ليسمع قرع نعالهم ",أي: لو كان حيا, فإن جسده قبل ما يأتيه الملك فيقعده ميت لا يحس بشيء, والمراد بالإقعاد: التنبيه والإيقاظ عما هو عليه بإعادة الروح إليه, أجري الإقعاد مجرى الإجلاس. وقد يقال: أجلسته من نومه: إذا أيقظته, والحديث ورد بهما, والظاهر أن لفظ الرسول صلوات الله عليه: (فيجلسانه) , وبعض الرواة بدله بهذا اللفظ, فإن الفصحاء يستعملون الإقعاد إذا كان من قيام, والإجلاس إذا كان من اضطجاع.
و" لا دريت ولا تليت ": عن الدراية والتلاوة, دعا عليه بنحو ما أجابه.
و (الثقلان): الإنس والجن, وإنما منعوا عن سماعها لئلا تنتقص حكمة التكليف, ويرتفع الابتلاء والامتحان, ولا يعرضوا عن التدابير PageV01P111 # والصنائع ونحوها مما يتوقف عليه بقاء الشخص والنوع, فيبطل معاشهم وينقطع إدبارهم.
فإن قلت: مفهوم الحديث أن هذا السؤال إنما يكون ممن دفن وقبر, وأما غيره فهو بمعزل عن ذلك, ويشهد له ظاهر قوله - عليه السلام - في حديث زيد بن ثابت:" لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ".
قلت: بل هو أمر يشمل الأموات ويعمهم, حتى إن من مات وأكلته سباع البهائم والطيور, وتفرقت في الشرق والغرب, فإن الله تبارك وتعالى يعلق روحه الذي فارقه بجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره, المستمر على حاله حالتي النمو والذبول الذي يتعلق به الروح أولا, فيحيا ويحيا بحياته سائر أجزاء البدن, ليسأل, فيثاب أو يعذب.
ولا يستبعد ذلك, فإن الله تعالى عالم بالجزئيات كلها حسب ما هي عليها, فيعلم الأجزاء بتفاصيلها, ويعلم مواقعها ومحالها, ويميز بين ما هو منها أصل وما هو فضل, ويقدر على تعليق الروح بالجزء الأصلي منها حال الانفراد تعليقه به حال الاجتماع, فإن البنية عندنا ليست شرطا للحياة, بل لا يستبعد تعليق ذلك الروح الشخصي الواحد في آن واحد بكل واحد من تلك الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب, فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء الحلول في آخر. PageV01P112
ومن أراد تحقيق ذلك فليطالع كتابي " الطوالع " ليعلمه علم اليقين.
والحديث ورد على ما هو الغالب.
وقوله:" لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم " معناه: أن الله تعالى لو أسمعكم صياح الأموات وصراخهم حينما يعذبون لاشتد عليكم الرعب, وحملكم على التحرز عن الأموات والتباعد عنهم, والإعراض عن الاشتغال بدفنهم مخافة أن يصيحوا وأنتم متدافنون, لا حذرا من عذاب القبر, فإنه لا يرد من قدر الله, ولا يغني من عذابه.