المقدمة الرابعة
في بيان أنواع الحديث
ينبغي لك أن تعلم أنه ليس كل مل ينسب إلى الرسول - صلوت الله عليه - صدقا والاستدلال به جائزا فإنه روي عن شعبة - رحمه الله - أنه قال: نصف الحديث كذب وعن أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الحديث - رحمهم الله - نحو ذلك
ولأنه نسب إليه - صلوات الله عليه - أنه قال "سيكذب علي" فهذا الخبر إن كان صدقا فلا بد من أن يكذب عليه وإن كان كذبا فقد كذب عليه وللمخافة عن هذا أوعد الشارع عليه وقال "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"
وهذا إنما وقع من الثقات لا عن تعمد بل إما لنسيان كما روي عن ابن عمر رضي الله عنه روى "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" فبلغ ابن عباس رضي الله عنه فقال: "ذهل أبو عبد الرحمن إنه - عليه السلام - مر بيهودي يبكي على ميت فقال "إنه ليبكي عليه وإنه ليعذب" PageV01P010
أو لالتباس لفظ أو وقوع خطأ في تعبير العبارة والنقل بالمعن نظيره: أن ابن عمر رضي الله عنه روى: أنه - عليه السلام- وقف على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا" ثم قال "إنهم الآن يسمعون ما أقول" فذكر ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت "لا بل قال: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق"
أو لأنه ذكره الرسول - صلوات الله عليه - حكاية فحسب الراوي أنه يقوله من تلقاء نفسه كما روي أنه قال: الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار فقالت عائشة رضي الله عنها: إنما قال الرسول - صلوات الله عليه - حكاية عن غيره.
أو لأن ما قاله - صلوات الله عليه - كان مختصا بسبب فغفل الراوي عنه كما روي أنه قال "التاجر فاجر" فقالت عائشة: إنما قال ذلك في تاجر يدلس أو لنحوها.
وقد وقع عن تعمد:
إما عن الملاحدة طعنا في الدين وتنفيرا للعقلاء عنه كما روي أنه قيل له: يارسول الله مم ربنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه عن ذلك العرق " تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وتبرأ الرسول صلى الله عليه وسلم عما بهتوه بهتانا عظيما
وإما عن الغواة المتعصبين تقريرا لمذهبهم وردا لخصومهم PageV01P011 # كما روي أنه قال: سيجيء أقوام من أمتي يقولون: القرآن مخلوق فمن قال: مخلوق فقد كفر بالله العظيم وطلقت امرأته من ساعته لأنه لا ينبغي لمؤمنة أن تكون تحت كافر"
أو عن جهلة القصص ترقيقا لقلوب العوام وترغيبا لهم في الأذكار والأوراد كما حكي: أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين - رحمة الله عليهما - حضرا مسجد رصافة في جماعة فقام بين أيديهم قاص وقال: أخبرنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان " وأخذ في قصة طويلة فنظر يحيى إلى أحمد وقال: أنت حدثته؟ فقال: والله ما سمعته إلا الساعة فدعاه يحيى وقال له: أنا يحيى وهذا أحمد وما سمعنا بهذا قط فقال: لم أزل أسمع أن يحيى أحمق وما تحققته إلا الساعة ليس في الدنيا غيركما أحمد ويحيى قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
أو عن المتهالكين على المال والجاه تقربا إلى الحكام كما وضعوا في دولة بني العباس نصوصا على إمامة العباس وأولاده إلى غيرهم من الزائغين عن الهدى. PageV01P012