" وعن أبي هريرة أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه, كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه, أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأوية, يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين, ليس من الناس إلا في خير ". PageV02P580
(المعاش): التعيش, يقال: عاش الرجل معاشا ومعيشا, وما يعاش به فيقال له: معاش ومعيش, ك (معاب ومعيب) , و (ممال ومميل) , وفي الحديث يصح تفسيره بهما.
و" رجل " رفع بالابتداء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه, أي: معاش رجل هذا شأنه من خير معاش الناس لهم.
" يطير على متنه " أي: يسرع راكبا على ظهره, مستعار من طيران الطائر.
و" الهيعة ": الصيحو التي يفزع منها ويجبن, من: (هاع يهيع هيعا): إذا جبن, و (الفزعة) هاهنا فسر بالاستعاثة, من: (فزع): إذا استغاث وأصل الفزع: شدة الخوف.
" فينبغي القتل أو الموت مظانه " أي: لا يبالي ولا يتحرز منه, بل يطلبه حيث يظن أنه يكون, و (مظان) جمع: مظنة, وهي الموضع الذي يعهد فيه الشيء ويظن أنه فيه. ووحد الضمير في (مظانه) إما لأن الحاصل والمقصود منهما واحد, أو لأنه اكتفى بإعادة الضمير إلى الأقرب, كما اكتفى به في قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها} [التوبة: 34] ,
" أو رجل في غنيمة " أي: معاشه, والظرف متعلق به إن جعل مصدرا, أو بمحذوف هو صفة ل (رجل) , و (غنيمة) تصغير: غنم وهو مؤنث سماعي, ولذلك صغرت بالتاء. PageV02P581
و (الشعفة): رأس الجبل " من هذه الشعف " يريد به الجنس لا العهد.
و" اليقين ": الموت, سمي به لتحقق وقوعه.
وقوله: " ليس من الناس إلا في خير " أي: ليس في شيء من أمور الناس إلا في خير, يسلم الناس منه, ويسلم هو منهم, أو: ليس هو في حال من أحوالهم إلا في خير, أو ليس معدودا منهم إلا في عداد الخير.
...
924 - 2864 - وقال: " من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا, ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا "
" وفي حديث زيد بن خالد الجهني: ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا "
يقال: خلفه في أهله: إذا قام مقامه في إصلاح حالهم ومحافظة أمرهم, أي: من تولى أمر الغازي وناب منابه في مراعاة أمره زمان غيبته شاركه في الثواب, لأن لإفراغ الغازي له واشتغاله بسبب قيامه بأمر عياله وكأنه مسبب من فعله.
...
925 - 2869 - وقال: " لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما, اللون PageV02P582 # لون الدم والريح ريح المسك "
وفي حديث أبي هريرة: " وجرحه يثعب "
أي: ينفجر منه الدم, يقال: ثعبت الماء فانثعب: إذا فجرته فانفجر, أسند الفعل إلى (الجرح) لأنه السبب فيه.
...
926 - 2871 - وسئل عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقزن} قال: إنا قد سألنا عن ذلك فقال: " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش, تسرح من الجنة حيث شاءت , ثم تأوي إلى تلك القناديل, فاطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات, فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا, قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسامنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى, فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا "