(من الحسان):
" عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمركم بخمس, بالجماعة, والسمع, والطاعة, والهجرة, والجهاد, وإنه من خرج من الجماعة قيد الشبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع, ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم "
المراد ب (الجماعة): موافقتهم والانخراط فيهم وب (السمع) أن يصفوا إلى الأوامر والنواهي فيفهموها, وب (الطاعة) أن يمتثلوها.
و" قيد الشبر ": قدره, يريد به أي قدر خالف وانحرف عن الجماعة, وخرج عن موافقتهم.
و (الربق): بالكسر: حبل فيه عدة عرى, يشد به البهم الواحدة من تلك العرى: ربقة, شبه ذمة الاسلام وعهده بالربقة التي تجعل في أعناق البهائم, من حيث إنه يقيده, فيمنعه أن يتخطى حدود الله, ويرتع مراتع حرماته.
والمعنى: إن من فارق الجماعة بترك السنة وارتكاب البدعة, ولو بشيء يسير, نقض عهد الإسلام, ونزع يده عن الطاعة.
و (الدعوى): اسم يطلق للإدعاء وللدعاء أيضا هو النداء, والمعنى: من نادى في الإسلام بنداء الجاهلية, وهو أن الرجل منهم إذا غلب عليه خصمه نادى بأعلى صوته قومه, فيبتدرون إلى نصره PageV02P553 # ظالما كان أو مظلوما, جهلا منهم وعصبية.
" فهو من جثاء جهنم " أي: من جماعاتها, وهو جمع جثوة, وهي في الأصل: ما جمع من تراب أو غيره, فاستعير للجماعة.
وروي: " جثي " بكسر الثاء وتشديد الياء: وهو جمع جاث, من الجثو أو الجثي, وهو الجلوس على الركبتين, قال تعالى: {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} [مريم: 68] , ويحتمل أن يكون المراد بدعوى الجاهلية: سننها على الإطلاق, لأنها تدعو إليها.
...
899 - 2789 - وقال: " ويل للأمراء, ويل للعرفاء, ويل للأمناء, ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم معلقة بالثريا, يتجلجلون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا ".
" وعن أبي هريرة أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ويل للأمراء, ويل للعرفاء, ويل للأمناء, ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم معلقة بالثريا, يتجلجلون بين السماء والأرض, وأنهم لم يلوا عملا "
" العرفاء ": جمع عريف, وهو القيم بأمر قبيلة أو محلة, يلي أمرهم, ويتعرف الأمير منه أحوالهم, من: عرف يعرف عرافة, بمثل: كتب يكتب كتابة, إذا عمل ذلك, وعرف - بالضم - عرافة - بالفتح - إذا صار عريفا. PageV02P554
والمراد بالأمناء: من ائتمنه الإمام على الصدقات والخراج وسائر أموال المسلمين, ويدل عليه عطفه على الأمراء والعرفاء, قوله: " وأنهم لم يلوا عملا " أو كل من ائتمنه غيره على مال أو غيره.
والمعنى: أن هذه الأمور وإن كانت مهمة لا ينتظم صلاح الناس ولا يتم معاشهم دونها - ولذلك قال في الحديث الذي بعده: " إن العرافة حق " أي: أمر ينبغي أن يكون - لكنها خطر, والقيام بحقوقها عسير, فلا ينبغي للعاقل أن يقتحم عليها, ويميل بطبعه إليها, فإن من زلت قدمه فيها عن متن الصواب قد يندفع إلى فتن تودي به إلى عذاب يؤثر عليه أن تكون نواصيه معلقة بالثريا (يتجلجل) بالجيم: أي: يتردد ويتحرك بين السماء والأرض, ويتمنى أن يكون حاله كذلك, ولم يل ما تولاه من عمله الذي أفضى به إلى هذا العذاب, وهو المراد بقوله في الحديث الآخر: " ولكن العرفاء في النار " لا كل عريف, فإن من قام بها حق القيام, وتجنب فيها عن الظلم والحيف, استحق به الثواب, وصار ذا حظ القيام مما وعد به ذو سلطان عادل, لكن لما كان الغالب عليهم خلاف ذلك, أجرى الغالب مجرى الكل, وأتى بصيغة العموم.