" وفي حديثه الآخر: ونساء كاسيات عاريات, مميلات مائلات, رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة, لا يدخلن الجنة, ولا يجدن ريحها "
" نساء " عطف على " قوم معهم سياط " ثاني الصنفين المعدودين من أهل النار.
" كاسيات ": من كسا يكسو: إذا لبس, أو من كسى يكسي: إذا صار ذا كسوة.
ومعنى " كاسيات عاريات ": أنهن يلبسن للزينة أثوابا الرقيق الشفاف, فيبدو عنه أجسامهن, فهن - وإن كن كاسيات للثياب - عاريات في الحقيقة, إذ لم يسترن أبدانهن, أو أنهن يلبسن للزينة أثوابا غير سابغات, فيبدو منهن ما يجب ستره منهن.
و (المميلات): اللائي يملن قلوب الرجال إلى أنفسهن, أو PageV02P487 # مميلي المقانع عن رؤوسهن لتظهر وجوههن ورؤوسهن, أو يملن أكتافهن وأعطافهن, أو يمشطن رؤوسهن المشطة الميلاء, وهي مشطة البغايا, ولذلك نهي عنها, وكأنهن يملن فيها العفائص, أو المميلات غيرهن في مثل فعلهن.
و" المائلات ": اللائي يملن خيلاء, والزائغات عن العفاف واستعمال الطاعة, أو المائلات إلى الهوى والفجور.
" رؤوسهن كأسنمة البخت " معناه: أنهن يعظمن رؤوسهن بالخمر والعصائب, ويملنه حتى يشبه أسنمة البخت المائلة.
" لا يدخلن الجنة ": صفة أخرى أجريت عليهن لتؤكد الحكم السابق, ومعناه: أنهن لا يدخلنها, ولا يجدن ريحها حينما يدخلنها, ويجد ريحها العفائف المتورعات, لا أنهن لا يدخلن أبدا, لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر:" وإن زنى وإن سرق " ثلاثا.
...
844 - 2649 - وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه, فإن الله تعالى خلق آدم على صورته "
" وعن أبي هريرة أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه, فإن الله خلق آدم على صورته "
قيل: الضمير لآدم, ومعناه على هذا أمران: PageV02P488
أحدهما: أنه خلق على صورته التي كان عليها من مبدأ فطرته إلى منقرض عمره لم تتفاوت قامته, ولم تتغير هيئتة, بخلاف سائر الناس, فإن كل واحد منهم يكون أولا نطفة, ثم علقة, ثم مضغة, ثم عظاما وأعصابا عارية, ثم عظاما وأعصابا مكسوة لحما, ثم حيوانا مجتنا في الرحم, لا يأكل ولا يشرب, بل يتغذى من عرق كالنبات, ثم يكون مولودا رضيعا, ثم طفلا مترعرعا, ثم مراهقا, ثم شابا, ثم كهلا, ثم شيخا.
وثانيهما: أنه خلق على صورة حال يختص به, لا يشاركه نوع آخر من المخلوقات, فإنه يوصف مرة بالعلم, وأخرى بالجهل, وتارة بالغواية والعصيان, وأخرى بالهداية والاستغفار, فلحظة يقرن بالشيطان في استحقاق اسم العصيان والإخراج من الجنان, ولحظة يتسم بسمة الاجتباء, ويتوج بتاج الخلافة والاصطفاء, وبرهة يستعمل بتدبير الأرضيين, وساعة يصعد بروحه إلى أعلى عليين, وطورا يشارك البهائم في مأكله ومشربه ومنكحه, وطورا يسابق الكروبيين في فكره وذكره وتسبيحه وتهليله.
وكل من المعنيين سديد مستقيم في تأويل ما روي عن هذا الراوي: أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا " من غير هذه المقدمة, فأما معها فلأنه ناسب, لأن سياقها سياق التعليل للمنع عن ضرب الوجه ووجوب الاجتناب عنه.
بل إن صحت الرواية في هذا الحديث بأنه قال: " فإن الله خلق PageV02P489 # آدم على صورة الرحمن " تعين أن يكون الضمير لله, ويكون المعنى: خلق آدم على صورة اجتباها جعلها نسخة من جميع مخلوقاته, إذ ما من موجود إلا وله مثال في صورته, ولذلك قيل: الإنسان عالم صغير. ثم إن مجمع محاسنه ومظهر لطائف الصنع فيه هو الوجه, فبالحري أن يحافظ عليه, وتحرز عما يشوشه, فلا يناسب أن يجرح ويفتح, وإن لم يصح احتمل ذلك, فاحتمل أن يكون الضمير للقرن الذي دل عليه المقاتلة, أو الوجه, أي: فليجتنب الوجه, فإنه تعالى كرمه وشرفه بأحسن صورة, وخلق آدم - عليه الصلاة والسلام - على تلك الصورة, فلا يضربه تكريما لصورة آدم عليه الصلاة والسلام.