" وعن المقداد بن الأسود أنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار, فاقتتلنا, فضرب إحدى يدي بالسيف, ثم لاذ مني بشجرة, فقال: أسلمت لله, أأقتله بعد أن قالها؟ قال: لا تقتله, فقال: يا نبي الله! إنه قطع إحدى يدي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتقتله, فإن قتلته فإنه بمنزلك قبل أن تقتله, وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها "
(اللياذ): العياذ.
وقوله: " لا تقتله " يستلزم الحكم بإسلامه, ويستفاد منه صحة إسلام المكره, وأن الكافر إذا قال: أسلمت, أو: أنا مسلم, حكم بإسلامه. PageV02P455
ومن نهيه عن القتل, وللتعرض له ثانيا بعد ما كرر أنه قطع إحدى يديه: أن الحربي إذا جنى على مسلم, ثم أسلم, لو يؤاخذ بالقصاص, إذا لو وجب لرخص له في قطع إحدى يديه قصاصا.
وقوله: " فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ": لأنه صار مسلما معصوم الدم, كما كنت معصوما قبل أن فعلت فعلتك التي أباحت دمك قصاصا.
" وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ": لأنك صرت مباح الدم, كما كان هو مباح الدم قبل الإسلام, ولكن السبب مختلف, فإن إباحة دم القاتل بحق القصاص, وإباحة دم الكافر بحق الإسلام.
وقد تمسك به الخوارج على تكفير المسلم بارتكاب الكبائر, وحسبوا أن المعني به المماثلة في الكفر, وهو خطأ, لأنه تعالى عد القاتل عمدا من عداد المؤمنين, بل المراد ما ذكرناه.
...
817 - 2589 - وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أناس من جهينة, فأتيت على رجل منهم فذهبت أطعنه فقال: لا إله إلا الله فطعنته فقتلته, فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: " أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ " قلت: يا رسول الله! إنما فعل ذلك تعوذا, قال: " فهلا شققت عن قلبه ".
" عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناس من جهينة, PageV02P456 # فأتيت على رجل منهم, فذهبت أطعنه, فقال: لا إله إلا الله, فطعنته فقتلته, فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فأخبرته, فقال: أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ فقلت: يا رسول الله! إنما فعل ذلك تعوذا, فقال: فهلا شققت عن قلبه ".
قيل: هذا المقتول هو مرداس بن نهيك الفزاري, وقيل: هو مرداس بن عمرو الفدكي, وعلى القولين لم يكن من جهينة, لكن لما وجدوه بأرضهم وكان مقيما فيما بينهم عد منهم, وإنما اجترأ أسامة على قتله لأنه رأى أنه يقول ما يقول تعوذا عن السيف, لا عن صميم قلبه, وظن أن إيمان الرجل في مثل هذه الحالة لا ينفعه, كما لا ينفع المحتضر.
ثم لما حكى الحال للرسول صلى الله عليه وسلم أنكر صنيعه, وبين له أنه أخطأ في اجتهاده, بقوله: " فهلا شققت عن قلبه " أي: اطلعت على ما في قلبه, فعلمت أنه إنما يقوله تعوذا لا إخلاصا.
غاية ما في الباب: أن الأمرين محتمل, وأحدهما أظهر, لكن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من إهلاك مسلم, والرجل وإن لم يكن محكوما بإسلامه بما قال حتى يضم إليه الإقرار بالنبوة, لكنه لما أتى بما هو العمدة والمقصود بالذات, كان من حقه أن يمسك عنه, حتى يتعرف حاله.
*** PageV02P457
818 - 2591 - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة, وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفا "