وبني وضع السنين على حركات الشمس, ووضع الشهور على حركات القمر, وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك, فجعلوا عاما اثني عشر شهرا, وعاما ثلاثة عشر, فإنهم كانوا ينسؤون الحج في كل PageV02P173 # عامين من شهر إلى شهر آخر بعده, ويجعلون الشهر الذي أنسؤوه ملغى, فتصير تلك السنة ثلاثة عشر, وتتبدل أشهرها, فيحلون الأشهر الحرم ويحرمون غيرها, كما قال تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] الآية, فأبطل الله تعالى ذلك, وقرره على مداره الأصلي.
" ورجب مضر ": عطف على " ثلاث ", وتخصيصه بمضر, لأنهم كانوا يعظمونه أكثر ما يعظمون غيره من الأشهر الحرم, ويشددون في تحريمه غاية التشديد, ولذلك سمي رجبا.
وتوصيفه بالذي " بين جمادى وشعبان " للتأكيد وإماطة الشبهة الحادثة فيه من النسيء.
وقوله: ط أي شهر هذا ": يريد تذكارهم حرمة الشهر, وتقريرها في نفوسهم, ليبني عليها ما أراد تقريره.
وقولهم في الجواب: " الله ورسوله أعلم " مراعاة للأدب, وتحرز عن التقدم بين يدي الله ورسوله, وتوقف فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه.
...
560 - 1934 - وقال أنس رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء, ثم رقدة بالمحصب, ثم ركب إلى البيت, فطاف به.
" قال أنس: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء PageV02P174 # ثم رقد رقدة بالمحصب, ثم ركب إلى البيت وطاف به "
الجار والمجرور تنازع عليه الفعلان, أعني: "صلى" و"رقد".
" المحصب " - بفتح الصاد والتشديد -: يريد به الشعب الذي يلي أحد طرفيه منى, ويتصل الآخر بالأبطح وينتهي عنده, ولذلك لم يفرق الراوي بينهما, فروى في هذا الحديث: أنه صلى بالمحصب, وفي حديثه الآخر: أنه صلى بالأبطح
واختلف العلماء في التحصيب, وهو: أن الحاج إذا نفر من منى بعد الرمي إلى مكة للتوديع يقيم بهذا الشعب حتى يرقد ساعة من الليل ثم يدخل مكة, فذهب ابن عمر إلى أنه سنة, لفعله عليه السلام.
وقال ابن عباس: لا سنة فيه, وإنما اتفق نزوله - عليه السلام - فيه للاستراحة بلا قصد نسك.
...
561 - 1939 - وقالت عائشة رضي الله عنها: حاضت صفية ليلة النفر, فقالت: ما أراني إلا حابستكم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " عقري, حلقي, أطافت يوم النحر؟ " قيل: نعم, قال: " فانفري ".
ويؤيده:
حديث عائشة: وقالت عائشة: حاضت صفية ليلة النفر, فقالت: ما أراني إلا حابستكم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حلقى عقرى, أطافت يوم PageV02P175 # النحر؟ " قيل: نعم, قال:" فانفري ", ظنت صفية أن طواف الوداع كطواف الزيارة في تمام الحج في أنه لا يجوز تركها بالأعذار, فقالت: (ماأراني) , أي: ما أظنني (إلا حابستكم) أي: عن الرحلة إلى المدينة, فتوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت قولها, لأنها قصرت فلم تطف للزيارة, ولذلك دعا عليها, فسأل أنها: هل طافت يوم النحر؟ فلما علم أنها طافت للزيارة أمرها بالنفار.
و"عقرى حلقى): منصوبتان على المصدر, فكان الأصل فيهما أن ينونا كسائر المصادر المنكرة الواقعة في الدرج, غير أنه أبدلت التنوين بالألف إجراء للوصل مجرى الوقف, والتقدير: عقرها عقرا, وحلقها حلقا.
والعقر: قطع العصب, والحلق: توجع الحلق, وقيل: المراد به: حلق الشعر, لأنهن يفعلن ذلك في شدائد المصائب, هذا وأمثال ذلك مثل: ثكلتك أمك, وتربت يمينك, ولا أبا لك, مما يقع في كلامهم, للدلالة على تهويل الخبر وأن ما سمعه لم يوافقه, لا للقصد إلى وقوع مدلوله الأصلي والدلالة على التماسه.