" وفي آخر حديث أبي ذر: عطائي كلام وعذابي كلام, إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون ". PageV02P078
أي: ما أريد إيصاله إلى العبد من عطاء أو عذاب لا أفتقر إلى كد ومزاولة عمل, بل يكفي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به, شبه الإرادة بحصول الشيء, وحصوله عقيب الإرادة حسبما يقضيه من غير تأخر وتخلف بتوجيه الأمر نحوه, وابتداره إلى الامتثال عقيبه.
...
فصل
من الصحاح:
479 - 1692 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي ".
وفي رواية: " غلبت غضبي ".
(فصل)
(من الصحاح):
" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي ".
(القضاء):
فصل
الأمر, سواء كان بقول أو فعل, والمراد به هاهنا الخلق, كما قال تعالى: {فقضاهن}
[فصل
ت: 12] , أي: لما خلق الله الخلق حكم حكما جازما, ووعد وعدا لازما لا خلف فيه: PageV02P079
ب" إن رحمتي سبقت غضبي " شبه حكمه الجازم الذي لا يعتريه نسخ ولا يتطرق إليه تغير بحكم الحاكم إذا قضى أمرا وأراد إحكامه, عقد عليه سجلا, وحفظ عنده, ليكون ذلك حجة باقية محفوظة عن التبديل والتحريف.
وقوله: " فوق العرش ": تنبيه على تعظيم الأمر وجلالة القدر, فإن اللوح المحفوظ تحت العرش, والكتاب المشتمل على هذا الحكم فوق العرش, ولعل السبب في ذلك - والعلم عند الله تعالى -: أن ما تحت العرش عالم الأسباب والمسببات, واللوح يشتمل على تفاصيل ذلك, وقضية هذا العالم - وهو عالم العدل, وإليه أشار بقوله: " بالعدل قامت السماوات والأرض " - إثابة المطيع, وعقاب العاصي, حسبما يقتضيه العمل من خير أو شر, وذلك يستدعي غلبة الغضب على الرحمة, لكثرة موجبه ومقتضيه, كما قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45] , فتكون سعة الرحمة وشمولها على البرية, وقبول إنابة التائب, والعفو عن المشتغل بذنبه المنهمك فيه, كما قال تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} [الآية الرعد: 6] = أمرا خارجا عنه, مترقيا منه إلى عالم الفضل الذي هو فوق العرش.
وفي أمثال هذا الحديث أسرار إفشاؤها بدعة, فكن من الواصلين إلي العين دون السامعين للخير.
*** PageV02P080
480 - 1696 - وقال: " قال رجل لم يعمل خيرا قط لأهله, وفي رواية: أسرف رجل على نفسه, فلما حضره الموت أوصى بنيه: إذا مات, فحرقوه, ثم اذروا نصفه في البر, ونصفه في البحر, فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين, فلما مات فعلوا ما أمرهم, فأمر الله البحر, فجمع ما فيه, وأمرالبر, فجمع ما فيه, ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب, وأنت أعلم فغفر له "
" وعنه عليه السلام: قال رجل لم يعمل خيرا قط لأهله " الحديث.
المشكل فيه قوله: " فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ", فإنه يحتمل أن يكون من قول رسول الله صلوات الله عليه, ويكون معناه: أنه تعالى لو وجده على ما كان عليه, ولم يفعل به ما فعل فترحم عليه بسببه ورفع عنه أعباء ذنبه, لعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين.
أو: لو ضيق عليه وناقشه في الحساب لعذبه أشد العذاب, من القدر وهو التضييق, قال الله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه} [الطلاق: 7] , أي: ضيق.