" عن أنس: أن أبا بكر رضي الله عنهما كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين ".
" هذه الكتاب " إشارة إلى الكتاب الذي كتبه , أو كان نسخته بين يدي الراوي حينما رواه , أو إلى ما يحكيه بعد , يقال: كتاب فلان إلى فلان كذا , ويراد به: الأمر المكتوب في كتابه.
وقوله: " هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله " إشارة إلى ما في ذهنه , ويذكر عقبها.
وقوله: " ففيها بنت مخاض أنثى " أي: التي تمت لها سنة , سميت بذلك لأن أمها تكون حاملا , والمخاض: الحوامل من النوق لا واحد لها من لفظها , ويقال لواحدتها: خلفة , وإنما أضيفت إلى المخاض - والواحدة لا تكون بنت نوق - لأن أمها تكون في نوق PageV01P464 # حاملا , وضعت حملها معهن في سنة , وهي تتبعهن , ووصفها ب (أنثى) تأكيدا , كما قال تعالى: {نفخة واحدة} [الحاقة: 13] , وفائدة هذا التأكيد: أن لا يتوهم متوهم أن البنت هاهنا والابن في ابن لبون كالبنت في ينت طبق , والابن في ابن آوي , وابن دابة يشترك فيهما الذكر والأنثى.
وقوله: " ففيها حقة طروقة الجمل " , (الحقة) بكسر الحاء: التي تمت لها ثلاث سنين , وذكرهما: حق , سميت بذلك لاستحقاقها أن يحمل عليها وينتفع بها , و (الطروقة): فعولة بمعنى مفعولة , من: طرق الفحل الناقة يطرق طرقا: إذا ضربها , والمراد بها: التي بلغت , أي: يضربها الفحل.
وقوله: " ففيها جذعة " أي: التي سن لها أربع سنين , ودخلت في السنة الخامسة.
وقوله: " فإذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون , وفي كل خمسين حقة " دليل على استقرار الحساب بعدما جاوز العدد المذكور , وهو مذهب أكثر أهل العلم , وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة: يستأنف الحساب بإيجاب الشياه , ثم بنت مخاض , ثم بنت لبون , على الترتيب السابق.
واحتجوا بما روي عن عاصم بن ضمرة , عن علي رضي الله عنه في حديث الصدقة: " فإذا زادت الإبل على عشرين ومئة ترد الفرائض إلى أولها ", وبما روي: أنه - عليه السلام - كتب كتابا لعمرو بن حزم في PageV01P465 # الصدقات والديات وغيرها , وذكر فيه: " إن الإبل إذا زادت على عشرون ومئة استؤنفت الفريضة ".
ولا يعادلان حديث أنس , فإنه متفق على صحته واتصاله إلى الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما , بطرق متعددة , ورفعهما إياه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأما حديث عاصم - مع قلة رواته - [ف] قفه شعبة وسفيان على علي رضي الله عنه , وروى الشافعي بإسناده عن علي رضي الله عنه خلاف ذلك , وفيه ما هو متروك بإتفاق أهل العلم , وهو أنه قال: " في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه " , ولم يقل به أحد.
وأما كتاب عمرو بن حزم فغير متفق عليه , فإن سبطه عبد الله بن محمد بن عمرو رواه مثل حديث أنس , ثم اختلف المتشبثون بهذا الحديث فيما إذا زادت على عشرين ومئة بعض تغير.
وللشافعي فيه قولان: أصحهما: أنه يتغير الواجب , لحصول اسم الزيادة , والثاني: أنه لا يتغير لما روى ابن شهاب , عن سالم , عن عبد الله بن عمر: أن في النسخة التي كانت عند آل عمر: " فإذا كانت إحدى وعشرين ومئة ففيها ثلاث بنات لبون " وهذه الرواية , مع أنها لم تناف بمنطوقها تعلق الفرض بما دون ذلك , فهي لا تقاوم رواية أنس في الشهرة وعلو الطبقة.