[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676ه)
الناشر: دار الفكر
(طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله البر الجواد. الذي جلت نعمه عن الإحصاء بالأعداد. خالق اللطف والإرشاد. الهادي إلى سبيل الرشاد. الموفق بكرمه لطرق السداد. المان بالتفقه في الدين على من لطف به من العباد. الذي كرم هذه الأمة زادها الله شرفا بالاعتناء بتدوين ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظا له على تكرر العصور والآباد. ونصب كذلك جهابذة من الحفاظ النقاد: وجعلهم دائبين في إيضاح ذلك في جميع الأزمان والبلاد. باذلين وسعهم مستفرغين جهدهم في ذلك في جماعات وآحاد. مستمرين على ذلك متابعين في الجهد والاجتهاد. أحمده أبلغ الحمد وأكمله وأزكاه وأشمله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار. الكريم الغفار * وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وحبيبه وخليله. المصطفى بتعميم دعوته ورسالته. المفضل على الأولين والآخرين من بريته. المشرف على العالمين قاطبة بشمول شفاعته. المخصوص بتأييد ملته وسماحة شريعته. المكرم بتوفيق أمته للمبالغة في إيضاح منهاجه وطريقته. والقيام بتبليغ ما أرسل به إلى أمته. صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النبيين وآل كل وسائر الصالحين. وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين (أما بعد)
فقد قال الله تعالى العظيم العزيز الحكيم (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) وهذا نص في أن العباد خلقوا للعبادة ولعمل الآخرة والإعراض عن الدنيا بالزهادة: فكان أولى ما اشتغل به المحققون: واستغرق الأوقات في تحصيله العارفون. وبذل الوسع في إدراكه المشهورون. وهجر ما سواه لنيله المتيقظون بعد معرفة الله وعمل الواجبات التشمير في تبيين ما كان مصححا للعبادات التي هي دأب أرباب العقول وأصحاب الأنفس الزكيات، إذ ليس يكفي في العبادات صور الطاعات بل لا بد من كونها على وفق القواعد الشرعيات وهذا في هذه الأزمان وقبلها بأعصار خاليات: قد انحصرت معرفته في الكتب الفقهيات المصنفة في أحكام الديانات، فهي المخصوصة ببيان ذلك وإيضاح الخفيات منها والجليات، وهي التي أوضح فيها جميع أحكام الدين والوقائع الغالبات والنادرات، وحرر فيها الواضحات والمشكلات، وقد
أكثر العلماء رضي الله عنهم التصنيف فيها من المختصرات والمبسوطات، وأودعوا فيها من المباحث والتحقيقات والنفائس الجليلات
* وجميع ما يحتاج إليه وما يتوقع وقوعه ولو على أندر الاحتمالات البدائع وغايات النهايات، حتى لقد تركونا منها على الجليات الواضحات، فشكر الله الكريم لهم سعيهم وأجزل لهم المثوبات، وأحلهم في دار كرامته أعلى المقامات، وجعل لنا نصيبا من ذلك ومن جميع أنواع الخيرات، وأدامنا على ذلك في ازدياد حتى الممات، وغفر لنا ما جرى وما يجري منا من الزلات، وفعل ذلك بوالدينا ومشايخنا وسائر من نحبه ويحبنا ومن أحسن إلينا وسائر المسلمين والمسلمات، إنه سميع الدعوات جزيل العطيات
* ثم إن أصحابنا المصنفين رضي الله عنهم أجمعين وعن سائر علماء المسلمين أكثروا التصانيف كما قدمنا وتنوعوا فيها كما ذكرنا واشتهر منها لتدريس المدرسين وبحث المشتغلين المهذب والوسيط وهما كتابان عظيمان صنفهما إمامان جليلان: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي: وأبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي رضي الله عنهما وتقبل ذلك وسائر أعمالهما منهما وقد وفر الله الكريم دواعي العلماء من أصحابنا رحمهم الله على الاشتغال بهذين الكتابين وما ذاك إلا لجلالتهما وعظم فائدتهما وحسن نية ذينك الإمامين، وفي هذين الكتابين دروس المدرسين وبحث المحصلين المحققين، وحفظ الطلاب المعتنين فيما مضى وفي هذه الأعصار في جميع النواحي والأمصار: فإذا كانا كما وصفنا وجلالتهما عند العلماء كما ذكرنا. كان من هم الأمور العناية بشرحهما إذ فيهما أعظم الفوائد وأجزل العوائد فإن فيهما مواضع كثيرة أنكرها أهل المعرفة وفيها كتب معروفة مؤلفة فمنها ما ليس عنه جواب سديد ومنها ما جوابه صحيح موجود عتيد فيحتاج إلى الوقوف على ذلك من لم تخصره معرفته، ويفتقر إلى العلم به من لم تحط به خبرته: وكذلك فيهما من الأحاديث واللغات وأسماء النقلة والرواة والاحترازات والمسائل المشكلات، والاصول المفتقرة إلى فروع وتتمات مالا بد من تحقيقه وتبيينه بأوضح العبارات