الفصل الخامس: فيما يحرم على المحرم بسبب إحرامه وما لا يحرم
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في الصيود. قال الكرخي في كتابه في بيان حد الصيد: أن الصيد هو الحيوان المتوحش بأصل الخلقة، وهو المذكور في كتاب اللغة، قال محمد رحمه الله: صيد البحر حلال للمحرم قال الله تعالى: {أحل لكم صيد البحر} (المائدة: 96) وأما صيد البر، فجنسه حرام على المحرم إلا ما استثناه رسول الله عليه السلام، قال الكرخي في «كتابه» : صيد البر ما يكون مثواه وتوالده في البر، وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في البحر، والمعتبر هو التوالد دون الكينونة؛ لأن الأصل هو التوالد، والكينونة تكون بعارض، فيعتبر الأصل، فيتناول جنسه مأكول اللحم.
وفي «المنتقى» عن محمد رحمه الله: أن كل حيوان يعيش في الماء، فهو صيد البحر، وكل حيوان يعيش في البر إذا أخرج من الماء، فهو صيد البر، وينطوي في صيد البر مأكول اللحم وغير مأكول اللحم؛ لأن الله ذكر الصيد في آية التحريم بلام التعريف حيث قال: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} (المائدة: 95) فتناول جنسه، واسم الصيد فما يتناول مأكول اللحم ويتناول غير مأكول اللحم لما ذكرنا من حد الصيد إلا أن البعض صار مستثنى عن التحريم ببيان رسول الله عليه السلام، حيث قال: «خمس من الفواسق يقتلن في الحرم الفأرة والحية والعقرب والحدأة والكلب (172ب1) العقور» ، وفي بعض الروايات
«الغراب» مكان الحية، وفي بعض الروايات مكان الكلب العقور، فإذا صارت هذه الأشياء مستثناة عن التحريم صارت مستثناة عن وجوب الجزاء بقتلها؛ لأن المحرم بقتل هذه الأشياء لا يصير جانيا على إحرامه بارتكابه شيئا من محظورات إحرامه،
بعد هذا قال الشافعي رحمه الله: استثناء لما عداها من السباع نحو الفهد، والأسد، والبازي، والصقر، وابن آوى، لأن استثناء الخمس؛ لأنهن مؤذيات طبعا، وقد وجد الإيذاء طبعا في هذه الأشياء، وإنا نقول: استثناء الخمس لوجود الأذى منهن عادة؛ لأن سكنى الخمس فيما بيننا إما مزارعا، أو مساكنا كالفأرة والحية والعقرب والكلب العقور أو مزارعا لا مساكنا كالحدأة، والغراب، والذئب، ومن طبعهن الأذى فيوجد الأذى عادة، فأما الفهد والبازي والصقر وأشباهها من السباع بعيد منا مساكنا ومزارعا؛ لأن من عادتهن التباعد من الناس، ولا يوجد الأذى منهن، فاستثناء الخمس لا يدل على استثناء سائر السباع مستثناة عندما تجب الحماية بقتلها ولا يجاور به الدم عند علمائنا البيت، والأصل فيه قوله عليه السلام «الضبع صيد» ، وفيه شاة إذا قتله المحرم،
هذا إذا قتل المحرم السبع ابتداء من غير أذى من جهته، فأما إذا قتله بناء على أذى من جهته فلا جزاء، فقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه قتل ضبعا فأدى جزاءه، وقال: إنا ابتدأناها
()
بالابتداء منه يدل على أن الابتداء إذا كان من السبع أنه لا يلزمه الجزاء،
والمعنى أن حالة الأذى تصير من جملة الفواسق؛ لأن الفسق اسم مشتق من الخروج، وقد خرج علينا، وعلى حقوقنا، فإنما قتل صيد هو ليس بمحرم أصلا، فلا يلزمه الجزاء.
وفي «المنتقى» إبراهيم عن محمد رحمه الله: محرم أصاب بازيا أو عقابا كفر ابتداء بالإيذاء أو لم يبتدي وكذا الطير إذا ذبحه المحرم، فعليه الكفارة، وإن ابتدأنا لأذى في طعام أو ما أشبهه إلا أن يكون طعاما له ثمن، وابتدأه بالأذى، فحينئذ لا كفارة.