الفصل الرابع فيما يفسد الصوم وما لا يفسد صومه
فإن عاد شيء إلى جوفه، فهذا على وجهين: إما إن كان القيء ملء الفم، أو أقل من ملء الفم، فإن عاد بإعادته يفسد صومه بالإجماع، وإن عاد لا بإعادته، قال أبو يوسف: لا يفسد صومه، وقال محمد: يفسد هكذا ذكر القدوري، وذكر شيخ الإسلام الخلاف على خلاف ما ذكره القدوري، فذكر أن على قول أبي يوسف: يفسد صومه، وعلى قول محمد: لا يفسد.
وإن كان القيء أقل من ملء الفم، فعاد شيء منه لا بإعادته لا يفسد صومه بالاتفاق، وإن أعاده، فعلى قول أبي يوسف: لا يفسد صومه، وقال محمد: يفسد صومه، وأما إذا تقيأ، فإن كان ملء الفم يفسد صومه بالاتفاق، عاد شيء منه إلى جوفه، أو لم يعد، وإن كان أقل من ملء الفم، فعلى قول أبي يوسف: لا يفسد صومه عاد شيء إلى جوفه أو أعاده، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله، وعلى قول محمد: يفسد عاد شيء إلى جوفه، أو أعاده، أو لم يعد أصلا.
فالحاصل أن محمدا: لا يعتبر الصنع في طرق الإخراج، أو الإدخال، وأبو يوسف يعتبر ملء الفم، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: فيما إذا تقيأ أقل من ملء الفم، فعاد شيء إلى جوفه، إن عن أبي يوسف روايتين، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه»
()
في هذه الفصول بالاتفاق في مفهوم «الأصل» ، وإذا قاء بلغما لا ينتقض صومه في قول أبي حنيفة ومحمد وأما قول أبي يوسف: ينتقض الصوم، القدوري؛ ثم على قول من يشترط ملء الفم في التقىء إذا تقيأ أقل من ملء الفم، مرارا يجمع إن كان بنفس ذلك السبب يجمع، هكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله،
والمذكور في شرح «الجامع الصغير» على قول أبي يوسف (159ب1) . إن كان الغثيان واحد يجمع، وإن سكن غثيانه، ثم تقيأ لا يجمع.
وحد ملء الفم ما لا يمكن ضبطه، وفي بعض المواضع ما لا يمكن ضبطه ألا يخرج، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال: ملء الفم أن يعجزه عن الكلام، ومن المشايخ من اعتبر في هذا أن يبلغ نصف الفم.
وإذا استعط، أو أقطر في أذنه، إن كان شيئا يتعلق به صلاح البدن، نحو الدهن والدواء يفسد صومه من غير كفارة، وإن كان شيئا لا يتعلق به صلاح البدن كالماء قال مشايخنا: ينبغي أن لا يفسد صومه، إلا أن محمدا رحمه الله: لم يفصل بينما يتعلق به صلاح البدن، وبينما لا يتعلق.
ولو اغتسل، فدخل الماء في أذنه لا يفسد صومه، بلا خلاف، وفي الإقطار في الأذن لم يشترط محمد رحمه الله الوصول إلى الدماغ حتى قال مشياخنا: إذا غاب في أذنه كفى ذلك لوجوب القضاء، وبعضهم شرطوا الوصول إلى الدماغ.
وإذا حك أذنه، فأخرج العود، وعلى رأسه شيء من الدرن؛ ثم أدخله ثانيا مع ذلك الدرن، ثم أخرجه، وبقي الدرن ثم في الأذن لا يفسد صومه، وإذا أوجر فما دام في فمه لا يفسد صومه، وإذا أوصل إلى الجوف يفسد صومه، ولا تلزمه الكفارة في ظاهر الرواية من غير تفصيل بين حالة الاختيار، وبين حالة الاضطرار.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه فرق بينهما، وقال: أرأيت لو استلقى على قفاه، وقال: صبوا في حلقي ماء أكان لا تلزمه الكفارة؟
وعامة المشايخ في هذه المسألة على أنه إن فعل ذلك به باختياره، ولا عذر به تلزمه الكفارة، وإن فعل ذلك من غير اختياره، أو باختياره، لكن به عذر ألا تلزمه الكفارة.
وروى هشام عن أبي يوسف: أن عليه الكفارة في هذه المسائل، وإذا احتقن يفسد صومه، وإذا استنجى، وبالغ حتى وصل الماء إلى موضع الحقنة يفسد صومه، ومن غير كفارة، وإذا أقطر في إحليله لا يفسد صومه عند أبي حنيفة، ومحمد، خلافا لأبي يوسف، وروى الحسن عن محمد: أنه توقف في هذه المسألة في آخر عمره.