الفصل الثاني والعشرون: في المسائل التي تعود إلى الرباطات والمقابر والخانات والحياض والطرق والسقايات
قال محمد رحمه الله: إذا جعل أرضه مقبرة للمسلمين جاز وليس له أن يرجع فيها بعد تمامها أن يقبر فيها إنسان واحد بإذنه أو أكثر من ذلك، وهل يتم بالتسليم إلى المتولي؟ فلا رواية عن أصحابنا رحمهم الله، وقد اختلف المشايخ فيه، وكذلك إذا جعلها خانا للمار من المسلمين وخلي بينهم وبينها، فإذا نزلها بإذنه رجل واحد أو أكثر فلا سبيل له بعد ذلك عليها، وإن مات لم يكن شيء من ذلك ميراثا، وإذا سلمها إلى المتولي يتم القبض، ذكره محمد رحمه الله في «الأصل» فعلى قول من قال في مسألة المقبرة أن القبض لا يتم بالتسليم إلى المتولي يحتاج إلى الفرق بين المقبرة والخان.
والفرق: أن المقبرة لا يكون لها متولي في العادة فلا يعتبر قبضه بخلاف الخان، وكذلك السقاية يجعلها في أرضه فيسقون ويشربون ويتوضؤن، فشرب منها إنسان أو سلمها إلى المتولي فليس له أن يرجع بعد ذلك عنه، وكذلك الحوض والبئر يجعله في أرضه قال: ولا بأس بأن يشرب منه ويسقي دابته وبقره ويتوضأ منه، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: إنما أجاب عن حياضهم وبئرهم، أما السقاية التي تكون في بلادنا إذا جعلها للشرب فأراد إنسان أن يتوضأ بها اختلف المشايخ فيه وأجمعوا أنه إذا وقف للوضوء أنه لا يجوز الشرب منه، وكذلك إذا جعل داره سكنى للمساكين ودفعها إلي والي يقوم بذلك فليس له أن يرجع فيها، وكذلك الرجل يكون له الدار بمكة فجعلها سكنى للحاج والمعتمرين ودفعها إلى وال يقوم عليها ويسكن فيها من رأى ليس له أن يرجع فيها، وكذلك إذا جعل داره في ثغر سكنى للغزاة والمرابطين ودفعها إلى وال يقوم عليها فليس له أن يرجع فيها، وإن مات لم يكن ميراثا عنه، وإن لم يسكنها أحد. والحاصل:
أن التسليم على قول من يشترط التسليم وهو محمد يكون بأحد طريقتين: إما بإثبات اليد للقيم عليها أو بحصول المقصود وذلك بالسكنى في مسألة الدار، وبالنزول في مسألة الخان، وبالدفن في مسألة المقبرة وما أشبهه ذلك.
وعند أبي يوسف: التسليم ليس بشرط فلا يشترط إثبات يد القيم في هذه المسائل ولا حصول المقصود بالدفن أو النزول أو الشرب، ويكتفي بالإشهاد على ذلك، وقال أبو حنيفة رحمه الله: وجميع ما ذكرنا فيه يبطل ما صنع فيه، قال محمد عقيب ذكر هذه المسائل: فأما السكنى فلا بأس بأن يسكنها الغني والفقير، يريد به: إذا جعل داره سكنى للغزاة أو سكنى للحاج والمعتمرين يجوز في الغزاة، وللحاج أن يسكنها كما يجوز للفقير، كذلك نزول الخان والدفن في المقبرة يستوي فيه الغني والفقير، فأما غلة الدار والأرض إذا حصلت للعزاة فلا يعجبني أن يأخذ منهما إلا من هو محتاج (26أ3) علل فقال: لأن الغلة مال يملك والتقرب إلى الله تعالى بتمليك المال يكون من المحتاج خاصة دون الغني بخلاف السكنى، وحقيقة الفقه في العرف: أن الغني مستغني عن مال الصدقة بمال نفسه غير مستغني عن النزول في الخان والسكنى في الدار والدفن في المقبرة بماله، ولا يمكنه أن يتخذ ذلك في كل منزل وربما لا يجد ما استأجره، ولأجل المعني سوينا بين الفقير والغني في ماء السقاية والحوض والبئر. قال الخصاف في «وقفه» : إذا جعل الرجل داره سكنى للغزاة فسكن بعض الغزاة بعض الدار والبعض فارغ لا يسكنها أحد ينبغي للقيم بأمر هذا الوقف أن يكون من هذه الدار ما لا يحتاج إلى سكناه ويجعل أجر ذلك في عمارة هذه الدار، فما فضل بعد ذلك فرقه على الفقراء والمساكين.