الفصل الثالث: في بيان ما جاز من الأوقاف وما لا يجوز
قال هلال في «وقفه» : وقف أرض الجور، وتفسير أرض الجور: الأرض التي جرت لبيت المال بأن لا يقدر صاحبها على زراعتها الى الإمام ليكون منافعها حرا للخراج، وإذا عرفت تفسير الجور فنقول: إن كان الإمام وقف هذه الأرض لا يجوز؛ لأنه لا يملكها وإن وقفها صاحب الجور وهو المالك يجوز؛ لأن الجور لا يوجب زوال الملك، ألا ترى أنه متى قدر صاحبها على زراعتها وطلب من الإمام أن يردها عليه ردها عليه؟
ذكر شيخ الإسلام في شرح «كتاب الوقف» : إن الوقف علي أقرباء الرسول (صلى الله عليه وسلم جائز، وإن كانت الصدقة لا تحل لهم وفي «المنتقى» عن أبي يوسف إنه يجوز صرف صدقات الوقف إلى الهاشمي إذا سمي في الوقف، وهو دليل جواز الوقف وفي «الجامع الأصغر» أن الوقف على أهل رسول الله عليه السلام لا يجوز كالصدقة قال ثمة: وفي الصدقة، الفريضة والتطوع سواء، وفي «شرح القدوري» أن الصدقة الواجبة كالزكاة والعشور والنذور والكفارات لا يجوز، فأما الصدقة على وجه الصلة والتطوع فلا بأس فصار في الوقف روايتان، وفي صدقة التطوع روايتان أيضا.
ولو قال: ما لي لأهل بيت النبي عليه السلام وهم يحصون، يجوز ويصرف إلي أولاد فاطمة رضي الله عنها.
في «فتاوى أبي الليث» : إذا وقف داره على فقراء مكة، أو على فقراء قرية، إن كان
الوقف في حسابه أو صحته والفقراء يحصون، لا يجوز هذا الوقف؛ لأن الوقف لا يجوز إلا مؤبدا وهذا لم يقع مؤبدا، بجواز أنهم يموتون فينقطع الوقف، وإن كان الفقراء لا يحصون جاز الوقف؛ لأنه وقف مؤبدا، وإن كان الوقف بعد موته يجوز، سواء كانوا يحصون (أو لا) أما إذا كانوا لا يحصون لأنه وقع موبدا، وإما إذا كانوا يحصون فلأنه إن تعذر تجويزه وصيته، والوصية لقوم يحصون يجوز حتى إذا انقرضوا صار ميراثا عنهم.
قال الصدر الشهيد في «واقعاته» وينبني علي هذه المسألة مسألة أخرى، رجل قال: وقفت ضيعتي هذه علي فقراء قرابتي، وجعل أجره للمسلمين حتى جاز سواء كانوا يحصون أولا يحصون، فأراد القيم أن يفصل بعضهم على البعض فالمسئلة على ثلاثة أوجه: إما إن كان فقراء قرابته وقريته لا يحصون أو يحصون أو أحد الفريقين يحصون والفريق الآخر لا يحصون (3ب3) .
ففي الوجه الأول: للقيم أن يجعل نصف الغلة لفقراء القرابة ونصفها لفقراء القرية ثم يعطي لكل فريق من شاء منهم، ويفضل البعض علي البعض كما شاء؛ لأن قصده الصدقة وفي الصدقة الحكم كذلك.
وفي الوجه الثاني: يصرف الغلة إلى الفريقين بعددهم ليس له أن يفضل البعض على البعض؛ لأن قصده الوصية وفي الوصية الحكم كذلك.
وفي الوجه الثالث: يحعل الغلة بين الفريقين أولا: فيصرف إلي الذين يحصون بعددهم وإلى الذين لا يحصون بينهم واحد لأن الذين يحصون لهم وصية والذين لا يحصون لهم صدقة، والمستحق الصدقة واحد ثم يعطي هذا السهم من الذين لا يحصون من شاء ويفضل البعض على البعض في هذا السهم كما شاء، وهذا التفريع يتأتى علي قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الفقراء عندهما اسم جنس أما لا يتأتى على قول محمد: إن الفقراء عنده اسم جمع، أصل هذا الاختلاف كتاب الوصايا ذكر الخصاف في باب الوقف الذي لا يجوز إذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أبدا على الناس، فالوقف باطل والأرض على ملك الواقف، وكذلك إذا قال: على بني آدم أو على أهل بغداد، فإذا انقرضوا فهو علي المساكين، فالوقف باطل؛ لأن أهل بغداد لا ينقرضون، وكذلك لو قال: على الزمنى والعميان فالوقف باطل، وذكر الخصاف هذا العميان والزمني في موضع آخر وقال: الغلة تكون للمساكين ولا تكون على العميان والزمنى، وقال لأنه قال: صدقة موقوفة لله تعالى أبدا وكذلك لو قال: وقف على قراء القرآن أو على الفقهاء فهو باطل لأن الغني فيهم والفقير، ولا يحصون، وفي «وقف هلال» : أن الوقف على الزمني والمنقطع صحيح؛ لأنه يتأبدون ويكون للفقراء منهم دون الأغنياء.