... PageV05P305
الباب السادس
في حد الخمر وذكر الأشربة
وفيه ثلاثة فصول:-
الفصل الأول في الخمر والأنبذة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الأنصاري وأبي ابن كعب شراب فضيخ تمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
فأما مالك (¬1): فأخرجه إسنادا ولفظا إلا أنه قال: شرابا من فضيخ وتمر.
وأما البخاري (¬2): فأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله، عن مالك.
وأما مسلم (¬3): فأخرجه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك وأخرجه من روايات أخرى كثيرة.
وأما أبو داود (¬4): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن ثابت. عن أنس. PageV05P306
وأما النسائي (¬1): فأخرجه عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.
الفضخ: كسر الشيء الأجوف، والفضيخ: شراب يتخذ من البسر المطبوخ وهو المشدوخ.
والمهراس: حجر ثقيل يشال ليعرف به شدة الرجال، سمي مهراسا: لأنه يهرس به أي: يدق.
والذي أراد به في الحديث: حجر كانوا يدقون به ما يحتاجون إليه. والمهراس في غير هذا الموضع: صخرة منقورة يكون فيها الماء لا ينقلها الرجال، وتسع كثيرا من الماء.
وقد جاء في بعض نسخ المسند: "فضربتها بأسفلها" فأنث الضمير، فإن صحت الرواية به فكأنه نظر إلى أن المهراس صخرة، وأنه يقع على الصخرة فأنث لذلك.
وهذا الحديث: بيان لتحريم الأنبذة وإلحاقها بالخمر، وبيان لجواز إطلاق اسم الخمر عليها. ألا تراه قال: كنت أسقيهم شرابا من فضيخ وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فأمره بكسر الجرار. فلو لم يعلم أن اسم الخمر يقع على شراب الفضيخ والتمر؛ وأن التحريم لاحق بها, لما أمره بكسرها وإراقتها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. PageV05P307
أما مالك (¬1): فأخرجه إسنادا ولفظا.
وأما البخاري (¬2): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (¬3): فأخرجه في جملة حديث عن أبي الربيع العتكي وأبي كامل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع. وذكر حديثا وجاء في آخره بهذا المعنى.
وأما أبو داود (¬4): فأخرجه عن سليمان بن داود ومحمد بن عيسى في آخرين عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع.
وأما الترمذي (¬5): فأخرجه عن يحيى بن درست، عن حماد بن زيد.
وأما النسائي (¬6): فأخرجه عن قتيبة وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم كلاهما عن مالك.
قوله: "حرمها في الآخرة ولم يشربها في الآخرة" هذا من باب التعليق في باب الخطاب وعلم البيان، كقول الشاعر:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها، وإما عبد شمس وهاشم
وكقولهم: فلان طويل النجاد، عظيم الرماد.
فقوله: "بعيدة مهوى القرط" فإنما يصف بهذا الكلام طول عنقها, ولكنه لما كان بعد مهوى القرط؛ إنما يكون لطول العنق ذكر ما هو مسبب عنه؛ وترك PageV05P308 # ذكر السبب الذي هو طول العنق. وهذا حسن في مواقع الخطاب لأنه يجمع بين السبب والمسبب عنه. وكذلك: "طويل النجاد، وعظيم الرماد" يريد: طويل القيائمة وكثرة إضرام النار للضيفان وغيرهم.