وحكي عن ابن الزبير ومعاذ بن جبل والزهري وابن سيرين أنهم قالوا: لا تقتل الجماعة بواحد؛ ولكن ولي الدم يقتل منهم واحدا ويأخذ من الباقين حصصهم من الدية.
فأما الواحد إذا قتل جماعة: فإنه يقتل بواحد منهم وللباقين الديات، فإن قتلهم على الترتيب واحدا بعد واحد كان مقتولا بالأول، وإن قتلهم دفعة واحدة سقط حق الباقين.
وقال أحمد: إن طلبوا كلهم القصاص قتل بجماعتهم، وإن طلب بعضهم القصاص وبعضهم الدية: قتل بمن طالب القصاص وأعطى الدية من طلبها. PageV05P169
الفصل الرابع
في التخيير بين القصاص والدية
أخبرنا الشافعي: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بكير بن معروف، عن مقاتل ابن حيان قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن نفر -حفظ معاذ منهم-: مجاهد والحسن والضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} (¬1) الآية. قال: كان كتب على أهل التوراة "من قتل نفسا بغير نفس حق أن يقاد بها ولا يعفى عنه ولا تقبل منه الدية". وفرض على أهل الإنجيل: "أن يعفى عنه ولا يقتل ولا يقتل" ورخص لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفى عنه فذلك قوله تعالى: {تخفيف من ربكم ورحمة} يقول الدية تخفيف من الله إذ جعل الدية ولا يقتل. ثم قال: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}. يقول: من قتل بعد أخذ الدية فله عذاب أليم. وقال في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} ينتهي بها بعضكم عن بعض مخافة أن يقتل.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، أخبرنا عمرو بن دينار قال: سمعت مجاهدا يقول: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله -عز وجل- لهذه الأمة: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم} مما كتب على من كان قبلكم {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}.
هذه الرواية الثانية التي رواها مجاهد، عن ابن عباس قد أخرجها البخاري (¬2): عن الحميدي وقتيبة، عن سفيان، عن عمرو. PageV05P170
وأخرجها النسائي (¬1): عن الحارث بن مسكين، عن سفيان، عن عمرو.
معنى قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} (¬2) أي: من عفي له من جهة أخيه شيء من العفو كقولك: سر يريد بعض السير ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به، لأن عفي لا يتعدى إلى مفعول به إلا بمعد.
والمراد بالأخ ها هنا: ولي المقتول، وقيل له أخوه: لأنه يلابسه من قبل مطالبة الدم، ولأن المؤمنين إخوة. وذكره بلفظ الأخوة: ليعطف أحدهما على الآخر بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام.
وإنما عدى "عفي" باللام ومن شأنها أن تعدى بعن: لأنه إنما يتعدى بعن إذا كان الذكر للجاني المذنب، قيل: عفوت لفلان عما جنى، فيكون التقدير: فمن عفي له عن جنايته. فاستغنى عن ذكر الجناية، وقيل: {فمن عفي له} (2) أي: ترك له بعض المستحق. وإنما قال: "شيء" إشعار بأنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه تم العفو؛ فإنه إذا عفى بعض الورثة سقط القصاص ووجب الدية.
وقوله: {فاتباع بالمعروف} (2) أي: فليتبع ولي الدم الذي عفى المعروف في المطالبة بالدية برفق من غير تشديد، وليؤدها القاتل المعفو عنه بإحسان من غير مطل.