كتاب الإيلاء
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يوقف المولي.
أخرجه في كتاب اليمين مع الشاهد، وعاد أخرجه بالإسناد واللفظ في
كتاب الإيلاء
(¬1).
هذا حديث صحيح.
البضع -بكسر الباء وقد تفتح-: ما بين الثلاثة إلى التسعة، تقول: عندي بضعة رجال، وبضع نسوة، وبضعة عشر رجلا، وبضع عشرة امرأة، فإذا جاوزت العشرة لم تقل: بضع وعشرون. قاله الجوهري.
وقال الأزهري (¬2): قال أبو زيد: يقال: بضعة وعشرون رجلا، وبضع وعشرون امرأة.
قال: وقال أبو عبيدة: [البضع] (¬3) ما لم يبلغ العقد ولا نصفه. يريد ما بين الواحد إلى أربعة.
والمولى: اسم فاعل من آلى يولي إيلاء فهو مول، إذا حلف وأقسم.
والإيلاء: الحلف، وتقول: تألى، متولي فهو متأل، والألية اليمين. هذا هو الأصل في اللغة، ثم استعمله الشرع استعمالا خاصا فيمن يحلف أنه لا يطأ زوجته، وفيه خلاف بين العلماء سنذكره، والأصل فيه قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} (¬4). الآية، وكان الإيلاء طلاق PageV05P014 # الجاهلية، وكان ضررا بالمرأة إذا لم يردها زوجها إلى أن لا يقربها أبدا، فلا تتزوج بغيره ولا هو يقربها، وفعل ذلك في الإسلام أيضا، وإنما عدي "بمن" ومن شأنه أن يعدى "بعلى" لأنه ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد؛ فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مولين أي: مقسمين.
وقوله: "يوقف المولى" هو فعل مستقبل من أوقف، ولم يجئ في العربية أوقف وإنما جاء وقف، وهو يتعدى ولا يتعدى تقول: وقف الرجل ووقفته أنا.
وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لو مررت برجل واقف فقلت له: ما أوقفك ها هنا لرأيته حسنا.
وحكى ابن السكيت عن الكسائي مثله. وإنما اللغة الفصحى وقفته أقفه، قال الله تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون} (¬1) فكان ينبغي أن يقول: كلهم يقف المولى، أي يحبسه ويلزمه بما يجب عليه من الرجوع إلى الوطء أو الطلاق ولا شك أن هذا من تحريف النساخ أو الرواة، فإن الشافعي يجل قدره عن جهل مثل هذا من اللغة، وهو من فصحاء العرب وعلمائهم، ويدل على ذلك أنه حيث استعمل هذه اللفظة -أي في كتبه- لم يذكرها إلا بغير ألف.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الإيلاء عبارة عمن حلف على ترك زوجته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف أربعة أشهر فما دونها لم يكن موليا. وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا حلف على ترك وطئها أربعة أشهر فما زاد، كان موليا إيلاء شرعيا.
وقال النخعي، وابن أبي ليلى، وقتادة، والحسن، وحماد، وإسحاق: إذا حلف لا يطأها يوما أو يومين أو أقل أو أكثر كان موليا. PageV05P015
وروى عن ابن عباس أنه قال: لا يكون موليا حتى يحلف على ترك الوطء أبدا أو مطلقا، فإذا انقضت مدة الأربعة أشهر ولم يطأها؛ كان لها أن تطالبه بالرجوع إلى الوطء أو الطلاق. وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: أن المولى إذا لم يطأ في مدة الإيلاء، وقع بمضي المرأة طلقة وبانت منه. وحكى ذلك عن ابن مسعود.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن عمرو بن سلمة قال: شهدت عليا (رضي الله عنه) أوقف المولى.