الفصل العاشر
في الأمة تعتق وزوجها عبد
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا مالك، عن ربيعة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: "كانت في [بريرة] (¬1) ثلاث سنن, وكانت في إحدى السنن: أنها أعتقت، فخيرت في زوجها".
هذا طرف من حديث طويل صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة بأسرهم طويلا ومختصرا (¬2)، وقد سبق بذكر طرقه، وهذا القدر منه.
أخرجه الشافعي -رضي الله عنه- في كتاب "أحكام القرآن".
والذي ذهب إليه الشافعي -رضي الله عنه-: أن الأمة إذا كانت زوجة ثم بيعت لا يكون بيعها طلاقها، ويكون حكم المشتري فيها مع الزوج حكم البائع، وروي مثل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وإليه ذهب عامة الفقهاء، وروي عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وابن عباس أنهم قالوا: بيعها طلاقا.
إذا ثبت هذا فإن أعتقها المشتري ثبت لها الخيار إن كان زوجها عبدا بالإجماع، فإن كان حرا لم يكن لها الخيار، وإليه ذهب ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب، والحسن، وسليمان بن يسار، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وقال النخعي، والشعبي، وأبو حنيفة، وأصحابه: لها الخيار.
والمعنى في التخيير أنها [إن] (¬3) اختارت فسخ النكاح كان لها، وإن اختارت PageV04P400 # البقاء معه فإن لها ذلك.
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا سفيان، عن أيوب بن أبي تميمة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه ذكر عنده زوج بريرة ذلك فقال: كان ذلك مغيث عبد بني فلان، كأني انظر إليه يتبعها في الطريق وهو يبكي".
هذا طرف من حديث بريرة المقدم ذكره، إلا أن ذلك الطرف كان عن عائشة، وهذا الطرف عن ابن عباس، وقد أخرج حديث ابن عباس البخاري، وأبو داود والترمذي، والنسائي.
أما البخاري فأخرجه (¬1) عن عبد الأعلى بن حماد، عن وهيب.
وعن قتيبة (¬2)، عن عبد الوهاب، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة.
وعن أبي الوليد (¬3)، عن شعبة وهمام، عن قتادة، عن عكرمة.
وأما أبو داود فأخرجه (¬4) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن الحذاء، عن عكرمة.
وأما الترمذي فأخرجه (¬5) عن هناد، عن عبدة، عن سعيد، عن أيوب وقتادة، عن عكرمة، وسعيد هذا وابن أبي عروبة.
وأما النسائي فأخرجه (¬6) عن ابن بشار، عن عبد الوهاب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وهذا الحديث وإن كان حجة لما ذهب إليه الشافعي -رضي الله عنه- من PageV04P401 # كون زوج بريرة عبدا؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث ولا الحديث الذي يجيء بعده عن ابن عمر في وجه الاستدلال بهما على أن زوجها [كان] عبدا، وإنما ذكره عقيب كلام أورده في بعض كتبه، ونحن نحكي القصة لتبيين سبب ذكره.
قال الشافعي: خالفنا بعض الناس في خيار الأمة، فقال: تخير تحت الحر كما تخير تحت العبد، وقالوا: روينا عن عائشة أن زوج بريرة كان حرا.
قال الشافعي -رضي الله عنه- فقلت له: روى عروة والقاسم عن عائشة -رضي الله عنها-: أن زوج بريرة كان عبدا، وهما أعلم بحديث عائشة ممن رويت هذا عنه. قال: فهل تروون عن غير عائشة أنه كان عبدا؟ فقلت: هي المعتقة، وهي أعلم به من غيرها، وقد روي من وجهين قد تثبت أنت ما هو أضعف منهما، ونحن إنما نثبت ما هو أقوى منهما. قال: فاذكرهما.