الفصل الثاني:
في الجمع بين الأقارب
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها, ولا بين المرأة وخالتها".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرجه مالك في الموطأ (¬1) إسنادا ولفظا.
فأما البخاري فأخرجه (¬2) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم فأخرجه (¬3) عن محمد بن المثنى [و] (¬4) ابن [بشار] (¬5) وأبي بكر بن نافع، عن ابن [أبي] (¬6) عدي، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (¬7).
وأما أبو داود فأخرجه (¬8) عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن أبي هريرة.
وأما الترمذي فأخرجه (¬9) عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، PageV04P359 # عن هشام، عن زهير، عن [.......................] (¬1)
قوله: "لا يجمع الرجل" يجوز أن يكون نهيا ونفيا، فإن نهيت كسرت العين، وإن نفيت ضممت العين، والنفي أحسن؛ لأنه أعم، كأن هذا أمر لا يقع وليس من شأنه أن يوجد.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ، وهو قول من لقيت من المفتين لا اختلاف بينهم فيما علمته، ولم يرو من وجه يثبته أهل الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عن أبي هريرة.
وقد روي من وجه لا يثبته أهل الحديث من وجه آخر.
وفي هذا حجة على من رد الحديث، وعلى من أخذ بالحديث مرة وتركه أخرى.
والذي عنى الشافعي أنه روي عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد، وأنس، وعائشة، كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن شيئا من هذه الأحاديث ليس من شرط الصحة، وإنما اتفق حفاظ الحديث على حديث أبي هريرة (¬2).
والجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها حرام بالسنة.
وحكي عن الخوارج والشيعة أنهم قالوا: لا يحرم الجمع وإنهما.
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا ابن أبي يحيى، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي وهب الجيشاني، عن أبي خراش، عن الديلمي -أو عن ابن الديلمي- قال: "أسلمت وتحتي أختان، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمرني أن أمسك أيتهما شئت وأفارق الأخرى". PageV04P360
هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي.
فأما أبو داود فأخرجه (¬1) عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه.
وأما الترمذي فأخرجه (¬2) عن قتيبة، عن ابن لهيعة، عن أبي وهب الجيشاني ... وقال: هذا حديث حسن غريب (¬3).
الذي ذهب إليه الشافعي: أن الجمع بين الأختين لا يجوز.
قال الشافعي: لا يحل الجمع بين الأختين بحال من نكاح ولا ملك يمين؛ لأن الله جل ثناؤه أنزله مطلقا، فلا يحرم من الحرائر شيء إلا حرم من الإماء بالملك مثله، إلا العدد.
والقول الجامع في ذلك أن كل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لأجل القرابة فلا يجوز الجمع بينهما، والمعنى في ذلك أنه يؤدي إلى قطع الرحم الدنية لما في الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر.
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن قبيصة ابن ذئيب: "أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية؛ فأما أنا فلا أحب أن أصنع هذا. قال: فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك؛ لجعلته نكالا". PageV04P361