قال الشافعي: فقد يخرق بالكثير فلا يكفى، ويرفق بالقليل فيكفي.
قال: وأحب إلي أن لا ينقص مما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه توضأ بالمد واغتسل بالصاع.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: لا يمكن للمغتسل أن يعم جسده بأقل من صاع، ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوئه بأقل من مد. وفي هذا نظر: فإنه روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ بثلثي مد (¬3).
ويمكن أن يستخرج من هذا الحديث مسألة معاياة (¬4). PageV01P216
فيقال: هل يجوز الوضوء بماء لم ينزل من السماء ولا ينبع من الأرض؟ فإن هذا الماء الذي توضأ به هذا الخلق العظيم؛ لم يكن ذلك القدر اليسير الذي كان في القدح؛ إنما هو نابع من أصابع - صلى الله عليه وسلم -، ولا شبهة أنه لم ينزل من السماء ولا نبع من الأرض، والماء هو معجزة أظهرها الله -عز وجل- لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد تكرر ظهور الماء من بين أصابعه مرات، وهذا أكثر في باب الإعجاز من ظهور الماء من الحجر على يد موسى -عليه السلام- لأن الحجر من شأنه أن ينبع الماء منه كثيرا في أماكن عدة، فأما من الأصابع!!
ولا يعرف ذلك إلا للمؤيد بالمعجزة الإلهية - صلى الله عليه وسلم -.
*** PageV01P217
الفصل الثالث: في الأحداث الناقصة
الفرع الأول: في النوم
الفصل الثالث
في الأحداث الناقصة
وفيه ثمانية فروع:-
الفرع الأول
في النوم
أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظرون العشاء فينامون -أحسبه قال- قعودا حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون".
الثقة في هذا الحديث هو: إسماعيل ابن علية.
قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله: إذا قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن حميد الطويل، فإنما يكنى بالثقة عن إسماعيل بن علية (¬1).
وأخرج الشافعي في كتاب القديم قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن الدستوائي، عن قتادة، عن أنس: "أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون".
وهذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (¬2)، وأبو داود (¬3)، والترمذي (¬4).
فأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن حبيب الحارثي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسا يقول: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينامون ثم يصلون لا -أو- ولا يتوضئون" قال: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله. PageV01P218
وأما أبو داود: فأخرجه عن شاذ بن فياض، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: "كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينتظرون العشاء الاخرة، حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون".
قال أبو داود: زاد فيه شعبة، عن قتادة: قال: كنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الترمذي: فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة بالإسناد، قال: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[ينامون] (¬1) ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون".
وفي الباب عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة.
وقد أخرج البخاري (¬2)، ومسلم (¬3)، وأبو داود (¬4)، والنسائي (¬5)، هذا الحديث بأطول من هذا من طرق عدة، وفيه ذكر الصلاة وتأخير وقتها, وليس هذا موضع ذكرها، وربما جاءت في أحاديث الصلاة.