والباء في "باسم الله" متعلقة بقوله: "بوضوء" ومعنى تعلق اسم الله بالوضوء له وجهان:- أحدهما: أن يتعلق به تعلق القلم بالكتابة، في قولك: كتبت بالقلم، على أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدا به في الشرع، حتى يصدر باسم الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" وإلا كان فعلا كالأ فعال، جعل فعله مفعولا باسم الله، كما تفعل الكتابة بالقلم.
والثاني: أن يتعلق به تعلق الدهن بالإنبات؛ في قوله تعالى:
{تنبت بالدهن} (¬1) التقدير: تنبت مختطة بالدهن، وهنا يكون التقدير أتوضأ متبركا باسم الله.
"والاسم": أصله مختلف فيه، فذهب البصريون من النحاة إلى أنه سمي بوزن "فعل"، وجمعه "أسماء" مثل: "قنو" و"أقناء" فحذفت الواو استثقالا ونقلت حركتها إلى الميم، ونقل سكون الميم إلى السين، ثم أدخلت همزة الوصل عليها توصلا إلى النطق بالساكن يدلك على ذلك سمي في التصغير واسما في التكسير، وسميت في التصغير لأن هذه الأشياء ترد الأشياء غيرها إلى أصولها، فاشتقاقه حينئذ من "السمو" وهو العلو، وقال الكوفيون: هو من السمة: العلامة، وأصله عندهم "وسم" فأبدلوا من الواو همزة، ومقتضى القياس أن يكون جمعه "أوساما"، وتصغيره "وسيما"؛ والحال بخلافه.
وهذا الحديث قد جاء في المسند؛ مسرودا مع باقي الأحاديث قبله وبعده، وليس للأحاديث المسندة تراجم تعرف بها, ولهذا الحديث معان يجوز أن يكون PageV01P214 # كل واحد منها ترجمة عليه، وقد اختلفت تراجم الأئمة في كتبها عليه، فترجم البخاري في كتابه في موضعين:-
أحدهما -باب الوضوء والغسل من المخضب والقدح.
والثاني -باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة.
وأما النسائي: فأخرجه في موضعين من كتابه:-
أحدهما -باب الوضوء من الإناء.
والثاني -باب التسمية عند الوضوء.
فأما مالك فأخرجه في "الموطأ" في باب "جامع الوضوء"، ولم يخصه بترجمة مفردة.
وأما الترمذي ومسلم: فأخرجاه في باب معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأورده صاحب الشامل: في باب الجنب وغيره.
وأورده البيهقي: في باب مقدار الماء الذي يتوضأ منه، وهو فقد ذكر في أول كتابه، أنه قد خرج الأحاديث على ترتيب أبواب مختصر المزني، وهذا إشارة منه إلى أن الشافعي أورد هذا الحديث في الباب الذي قد أورده فيه البيهقي -والله أعلم.
ولذلك اقتدينا نحن به، فأوردناه في هذا الباب وكل من هذه التراجم مناسب؛ لأنه يدل على كل باب منها بالمعنى الذي يخصه.
فلنذكر الان ما يتعلق بمقدار ماء الوضوء والغسل.
قال البيهقي في روايته لهذا الحديث: قال الشافعي: وفي مثل هذا المعنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل وبعض نسائه من إناء واحد، وأكثر ما حكت وغسلها "فرق" و"الفرق" ثلاثة اصع؛ وقد تقدم تخريج هذا الحديث في الباب الأول من هذا الكتاب. PageV01P215
قال الشافعي: وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بالمد واغتسل بالصاع (¬1).
قال الشافعي: وفي هذا ما دل على أن لا وقت فيه لإكماله؛ والله أعلم.
مع أنه قد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الجنب: "فإذا وجدت الماء فأمسه طهرك" (¬2) بغير توقيت شيء منه.
وبيان المذهب هو: أنه لا حد للماء الذي يغتسل به الجنب ويتوضأ به المحدث، إلا بأن يمر الماء على الأعضاء ثم يجريه عليها.