وفي الرواية الأخرى: "فرأيته -بالهاء- نبع من أصابعه"، وبين نبع وينبع فرق دقيق.
أما "بين" فهو بمعنى وسط، تقول: جلست بين القوم، أي وسطهم، ساكن السين وهو ظرف مكان لا يزال منصوبا، فإن جعلته اسما رفعته وجررته، كقوله PageV01P211 # تعالى {لقد تقطع بينكم} (¬1) في إحدى القراءتين.
وأما الفرق بين "نبع" و"ينبع"، فإنه مع المستقبل حكاية الحال الحاصلة عند نبوع الماء، كأنه استحضر الحال عند حديثه، وصورها عند خطابه، وليس كذلك "نبع" إنما هو حكاية حال ماضية، والمستقبل في هذا النوع من الخطابة أبلغ وأحسن وإلى القلوب أقرب، وبها أعلق وعندها أبين، وكثيرا ما يجيء هذا الفعل في القرآن العزيز؛ لما فيه من الفصاحة والبيان.
وقوله في رواية البخاري: "حضرت الصلاة" أي حضر وقتها ودنا زمانها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ثم لما حذف المضاف واتصل الفعل بالصلاة أثبت فيه تاء التأنيث لتأنيث الصلاة.
"والمخضب": كالإجانة والمركن (¬2).
و"من" في قوله: "من حجارة"، لتبيين الجنس، كقولك: ثوب من خز.
وقوله: "فصغر المخضب أن يبسط فيه يده" وقيل في رواية: "عن أن يبسط"، وفي رواية بحذف "عن"؛ والأصل إثباتها لأن "صغر" فعل قاصر لا يتعدى إلا بمعد، كأنه قال: صغر عن بسط يده، وأما من حذفها فلأن حروف الجر قد تحذف، وهي مدارة لكثرة الاستعمال؛ والأصل ما ذكرناه.
"والبسط": ضد القبض، والمراد نشر أصابعه وكفه في الإناء، وتكتب بالسين والصاد لأجل الطاء، لأن السين تبدل صادا إذا وقعت قبل أربعة أحرف وهي: الطاء، والحاء، والعين، والقاف، هربا من كلفه الصعود من الأدنى إلى الأعلى عند النطق، وليصير النطق بالحرفين من مكان واحد، بخلاف ما إذا وقعت بعدها فإنه يكون نزولا من الأعلى إلى الأدنى.
وبيان ذلك: أن هذه الأحرف الأربعة مخرجها من أعلى الحنك الأعلى، PageV01P212 # والسين من أسفل الحنك الأسفل، فإذا كانت قبل الطاء احتجت أن تنطق بالسين من الأسفل، وبالطاء من الأعلى وإذا تأخرت انعكست الحال فسهل النطق.
"والقوم": الجماعة من الرجال خاصة، ولا واحد من لفظه، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبعية، ويذكر لفظه ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها؛ إن كانت للادميين تذكر ويؤنث، مثل: رهط، ونفر، وقوم، قال الله -تعالى- {وكذب به قومك} (¬1) وقال {كذبت قوم نوح المرسلين} (¬2).
و"كل" اسم للتأكيد معناه الإحاطة والعموم، ولا يؤكد به إلا ما يتبعض نحو: جاء القوم كلهم، ويؤكد بها المظهر والمضمر، وقد تجيء اسما غير تأكيد، تقول: جاءني كلهم، إلا أن الأصل وضعها للتأكيد.
وقد اختلفوا في إدخال الألف واللام على "كل" و"بعض"، فمنع منه قوم لتقدير الإضافة فيه، وأجازه اخرون اعتبارا بنصبه على الحال، في قولهم، مررت بهم كلا.
وأكثر ما يجيء مضافا إلى المظهر والمضمر، وقد يقطع عن الإضافة وينون كقوله تعالى: {وكل أتوه داخرين} (¬3).
وكم: اسم منه تارة بمعنى الاستفهام، وأخرى بمعنى الخبر، وهي في الحديث استفهامية.
و"الرحراح": الواسع الذي ليس بضيق.
"وزهاء الشيء": قدره وما يقاربه، تقول: هم زهاء مائة أي قدر مائة. PageV01P213
وفي رواية النسائي: "فوضع يده في الماء ويقول: باسم الله" الواو في يقول واو الحال وهي أبلغ وأحسن في الخطاب. قال: لما تقدم بيانه في نبع وينبع.