كتاب الحوالة
أخبرنا المزني، عن الشافعي -رضي الله عنه- عن مالك، عن أبي الزناد، بن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع".
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (¬1) إلا النسائي.
و"المليء": القادر على وفاء الدين.
وقوله: "وإذا أتبع أحدكم" معناه إذا أحيل أحدكم بالدين على قادر على وفائه فليحتل.
قال الخطابي: أصحابي الحديث يروون "اتبع" بتشديد التاء وهو غلط، وصوابه "أتبع" ساكنة التاء بوزن أكرم يقال: تبعت الرجل أتبعه تباعة إذا طالبته فأنا تبيعه، وليس هذا على الوجوب، بل هو على الندب والرفق بمن عليه الدين، ثم الحوالة مشتقة من تحويل الشيء، ولهذا قال الشافعي: وإذا أحال الرجل على الرجل بالحق، فأفلس المحال عليه أو مات ولا شيء له لم يكن للمحتال أن يرجع على المحيل من قبل؛ لأن الحوالة تحول حق من موضعه إلى غيره، وما يحول لم يعد.
... PageV04P180
كتاب الإقرار
أخرج الشافعي -رضي الله عنه- عن سفيان، عن الزهري، عن عائشة: "أن عبد بن زمعة وسعدا اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ابن أمة زمعة، فقال سعد: يا رسول الله، أوصاني أخي إذا قدمت مكة أن انظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه؛ فإنه ابني.
فقال عبد بن زمعة: أخي، وابن أمة أبي، ولد على فراش أبي, فرأى شبها "بينا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (¬1) ومسلم (¬2) وأبو داود (¬3).
قال الشافعي: فألحقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الأخ وأمر سودة أن تحتجب منه؛ لما رأى من شبهه بعتبة؛ فكان في هذا دليل على أنها لم تدفعه، وأنها قد ادعت منه ما ادعى أخوها.
وهذا استدل به الشافعي على إقرار الوارث بوارث آخر، وسعد هو سعد بن [أبي] (¬4) وقاص الزهري، وعتبة هو أخوه، جاهلي، وهو الذي كسر رباعية النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد.
وعبد بن زمعة هو أخو سودة بنت زمعة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان عتبة قد عاهر من أمة زمعة فولدت ولدا، فكان عتبة يدعي أنه ولده، وعهد إلى أخيه سعد أن يأخذه إليه، فخاصمه عبد بن زمعة فيه، فقضى له النبي - صلى الله عليه وسلم - به؛ لأنه ولد على فرايق أبيه، وحكم الإسلام أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فألحقه بزمعة دون PageV04P181 # عتبة، وأبطل حكم الجاهلية؛ لأنهم كانوا يلحقون الأولاد بالزناة إذا غلب على ظنهم أن الولد من ماء الزاني، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسودة: "احتجبي" على سبيل الاستحباب والتنزيه؛ لما رأى من شبهه بعتبة، وأنه ربما كان مخلوقا من ماء عتبة والله أعلم.
*** PageV04P182