الفرع الأول: في الموالاة
الفرع الثامن (*)
في الموالاة
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دعى لجنازة فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.
هكذا أخرجه في كتاب الطهارة، وأعاد إخراجه في موضعين اخرين من كتاب اختلافه مع مالك بهذا الإسناد أيضا، وفي اللفظ تقديم وتأخير.
هذا حديث صحيح، أخرجه في الموطأ (¬1) بالإسناد قال: ابن عمر بال بالسوق، ثم توضأ وغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه ثم صلى عليها.
"الباء": في قوله: "بالسوق" واقعة في موقع "في" وقد جاءت في الشعر كذلك قال: ما بكاء الكبير بالأطلال (¬2) أي فيها.
"والسوق": يذكر ويؤنث، وتأنيثها أكثر.
واللام في قوله: "لجنازة" يجوز أن تكون باقية على بابها، أي: دعي لأجلها، ويجوز أن تكون متنقلة بمعنى "إلى" أي: دعي إليها، قال الله -تعالى- {الحمد لله الذي هدانا لهذا} (¬3) أي إلى هذا. ويعضد هذا التأويل الثاني، ما جاء في رواية الموطأ "ثم دعي لجنازة ليصلي عليها" فلو كانت اللام على بابها كان تكرارها مستكرها وإن أفاد زيادة تأكيد بكونه بدلا منه.
وإذا جعلت "اللام" بمعنى إلى كان "اللام" متسقا لا تكرار فيه. PageV01P204
ويجوز أن يجاب عن هذا بأن اللام في "ليصلي عليها" إنما هي بمعنى "كي" أي دعي لها كي يصلي عليها.
واللام في "ليصلي" متعلقة بقوله "فدخل المسجد" في رواية الشافعي، وبقوله "ثم دعى" في رواية الموطأ.
"والجنازة": -بكسر الجيم وفتحها- فبالكسر: هي السرير، وبالفتح: الميت، قاله ثعلب.
وقيل بالكسر هو الميت نفسه، قاله الأصمعي.
قال: والعوام يتوهمون أنه السرير.
وقال الليث: قد جرى في أفواه الناس جنازة -بالفتح- والنحارير ينكرونه.
وقيل الجنازة: الرجل والسرير معا، وهو من قولهم: جنز الشيء، وهو مجنوز إذا جمع.
"والمسجد": موضع السجود في الأصل، ثم جعل علما على هذه البنية المخصوصة بجميع أجزائها وجهاتها؛ وإن كان موضع السجود بعضها، ويقال فيه: بفتح الجيم.
والذي ذهب إليه الشافعي في الموالاة، قال في القديم: إنه واجب، ولا يجوز تفريق الوضوء؛ وأن يتخلل بين الفرضين زمان يجف فيه العضو المتقدم في الزمان المعتدل، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب.
وروي عن قتادة، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وحكي عن الليث بن سعد، ومالك بن أنس، أنه إن تعمد التفريق بطلت طهارته، وإن كان لعذر جاز في قول مالك ما لم يجف العضو.
وقال في الحديث: يجوز التفريق، وروي ذلك عن ابن عمر، وذكر هذا PageV01P205 # الحديث وبه قال سعيد بن المسيب، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
قال الشافعي: وأحب أن يتابع الوضوء ولا يفرقه، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء به متتابعا؛ وإن قطع الوضوء فأحب إلي أن يستأنف وضوءه، ولا يقين لي أن يكون عليه استئناف وضوئه، ثم احتج بهذا الحديث.
ووجوه الاستدلال منه، تأخير مسح خفيه إلى أن دخل المسجد.
وفيه دليل على أن الفرض في الوضوء، إنما هو متعلق بهذه الأعضاء الأربعة دون غيرها, ولم يذكر أنه تعرض لعضو اخر سواها.
وفيه دليل: على أن البول في السوق إذا كان مستترا؛ ليس قادحا في العدالة.