الفصل الثاني
في مولده وعمره ووفاته
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لما حملت أم الشافعي به رأت في المنام كأن "المشترى" خرج من فرجها حتى انقض بمصر ثم وقع في كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر البلدان (¬1).
وقال [أبو عبيد الله] (¬2): أحمد بن عبد الرحمن الوهبي: سمعت الشافعي يقول: ولدت باليمن فخافت أمي علي الضيعة فقالت: الحق بأهلك فتكون مثلهم فإني أخاف أن تغلب على نسبك؛ فجهزتني إلى مكة، فقدمتها وأنا يومئذ ابن عشر سنين أو شبيها بذلك، فصرت إلى نسيب لي وجعلت أطلب العلم فيقول لي: لا تشتغل بهذا، وأقبل على ما ينفعك. فجعلت لذتي في هذا العلم وطلبه حتى رزقني الله -عز وجل- منه ما رزق. وروي عنه أنه قال: ولدت بعسقلان، فلما أتى علي سنتان حملتني أمي إلى مكة فكانت نهمتي في شيئين: في سبق الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة تسعة، وسكت عن العلم، قال الراوي (¬3): فقلت له: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: ولد الشافعي بغزة سنة خمسين ومائة، ومات بمصر آخر يوم من رجب من سنة أربع ومائتين، وعاش أربعا PageV01P037 # وخمسين سنة. وقال يونس بن عبد الأعلى: مات الشافعي سنة أربع أو خمس ومائتين وهو ابن ست وخمسين سنة.
والصحيح الأول، وقال الربيع بن سليمان: ولد الشافعي يوم مات أبو حنيفة.
قال الواقدي: ومات أبو حنيفة سنة خمسين ومائة. والله أعلم. PageV01P038
الفصل الثالث
في طلبه العلم
قال عبد الله بن الزبير الحميدي: قال لي الشافعي: كنت يتيما في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطي للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد وكنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف، فكنت انظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة وكانت لنا جرة قديمة فإذا امتلأ العظم طرحته فيها.
وقال الزبير بن سليمان القرشي: سمعت الشافعي يقول: طلبت هذا الأمر عن خفة ذات يد، كنت أجالس الناس وأتحفظ، ثم اشتهيت أن أدون، وكنت آخذ العظام والأكتاف فأكتب فيها حتى امتلأ في دارنا من ذلك حبان (¬1).
وقال الشافعي: كنت أستوهب الظهور من الديوان أكتب فيها, ولم يكن لي مال.
وقال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ ظاهرا فقلت: إني أريد أن أسمع الموطأ منك. فقال: اطلب من يقرأ. قلت: لا؛ عليك أن تسمع قراءتي فإن سهل عليك قرأت لنفسي. قال: اطلب من يقرأ لك. فكررت عليه، فقال: اقرأ. فلما سمع قراءتي قال: اقرأ، فقرأت عليه حتى فرغت منه. وقال أحمد بن حنبل: قال الشافعي لنا: قرأت الموطأ على مالك لأنه كان يعجبه قراءتي.
قال أحمد: لأنه كان فصيحا. وقال الحميدي: قال الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها. PageV01P039
وقال الشافعي: أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين دينارا ثم تدبرتها فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثا.
وقال الحميدي: كان الشافعي رجلا شريفا، وكان يطلب اللغة، والعربية والفصاحة، والشعر في صغره وكان كثيرا ما يخرج إلى البدو، فبينا هو ذات يوم في حي من أحياء العرب جاء إليه رجل فقال له: ما تقول في امرأة تحيض يوما وتطهر يوما؟.