الفصل الخامس
في الخراج بالضمان والرد بالعيب
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- خبرنا سعيد بن سالم، عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى أن الخراج بالضمان".
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا مسلم بن خالد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "الخراج بالضمان".
هكذا أخرجه في كتاب "اختلاف الأحاديث"، وقد عاد وأخرجه في كتاب "الرسالة" (¬1) قال: أخبرنا من لا أتهم، عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف قال: "ابتعت غلاما فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، فقضى لي برده وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة، عن عائشة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال عمر: فما أيسر علي من قضاء قضيته الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له".
هذا حديث صحيح حسن غريب أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
أما أبو داود فأخرجه (¬2) عن أحمد بن يونس، عن ابن أبي ذئب. PageV04P121
وفي أخرى له (¬1) عن إبراهيم بن مروان، عن أبيه، عن مسلم بن خالد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة "أن رجلا ابتاع غلاما، فأقام عنده ما شاء الله عز وجل أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الخراج بالضمان".
وأما الترمذي فأخرجه (¬2) عن محمد بن المثنى، عن عثمان بن عمرو أبي عامر العقدي، عن ابن أبي ذئب.
وعن أبي سلمة يحيى بن خلف (2)، عن عمر بن علي، عن هشام، وقد استغرب البخاري هذا الحديث من رواية عمر بن علي هذه التي رواها الترمذي.
وأما النسائي فأخرجه (¬3) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس ووكيع، [عن] (¬4) ابن أبي ذئب.
"قضى" بمعنى حكم وأمر.
و"الخراج" القرار الذي يكون على إنسان يؤديه في كل وقت أو على ملك، والخرج مثله، وقيل: الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه، هذا هو الأصل.
والمراد بالخراج في هذا الحديث: غلة العبد التي يحصلها لمولاه، والمنفعة التي تحصل منه، وكذلك هو الخراج الذي وظفه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على أرض السواد إنما هو عبارة عن غلتها؛ لأنه أمر بمساحة السواد ودفع الأراضي إلى الفلاحين الذين كانوا فيها؛ على غلة يؤدونها كل سنة، فلذلك سمي خراجا، PageV04P122 # ثم قيل بعد ذلك للبلاد التي افتتحت صلحا ووظف ما صولحوا عليه على أراضيهم: خراجية؛ لأن تلك الوظيفة أشبهت الخراج الذي لزم الفلاحي وهو الغلة، كذلك قيل للجزية الواجبة على أهل الذمة: خراج؛ لأنها كالغلة الواجبة عليهم.
و"استغل غلامي" واستغللته أي أخذت غلته ومحصوله وكسبه.
ومعنى قوله: "الخراج بالضمان" فيما قاله أهل العلم: هو أن يشتري الرجل مثلا عبدا فيستغله ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع ولم يطلعه عليه، فله رد العبد على البائع والرجوع عليه بالثمن جميعه، والغلة التي استغلها المشتري من العبد موفرة عليه؛ لأنه كان في ضمانه، ولو مات العبد مات من مال المشتري.