الفصل الرابع
في وضع الجائحة
أخبرنا سفيان، عن حميد بن قيس، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السنين, وأمر بوضع الجوائح".
قال الشافعي -رضي الله عنه- سمعت سفيان يحدث بهذا الحديث كثيرا في طول مجالستي له ما لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته لا يذكر فيه: "أمر بوضع الجوائح" لا يزيد على: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السنين" ثم زاد بعد ذلك: "وأمر بوضع الجوائح".
قال سفيان: فكان حميد يذكر بعد بيع السنين كلاما قبل وضع الجوائح لا أحفظه، فكنت أكف عن ذكر وضع الجوائح لأني لا أدري كيف كان، وفي الحديث أمر بوضع الجوائح.
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
هذا حديث صحيح أخرج مسلم منه بيع السنين.
وقد تقدم في الفصل السادس من الباب الأول من البيع.
وأخرج أبو داود (¬1) بيع السنين والجوائح عن أحمد بن حنبل ويحيى بن [معين] (¬2)، عن سفيان. PageV04P117
و"الجوائح": جمع جائحة، وهي الآفة التي تصيب الثمار والغلات فتهلكها، جحت الشيء أجيحه وجاحتهم الجائحة واجتاحتهم وجاح الله ما له وأجاحه بمعنى أي أهلكه بالجائحة، ووضعها إسقاطها من الثمن بقدرها.
والذي ذهب إليه الشافعي -رضي الله عنه-: أنه إذا اشترى ثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع فأصابتها جائحة قبل القطع، أو كانت بعد بدو الصلاح فتلفت قبل أن يأخذها، نظرت؛ فإن كان ذلك قبل القبض انفسخ العقد وكانت من ضمان البائع، وإن كان ذلك بعد القبض، وهو التخلية بين المشتري وبينها، فاختلف فيه قول الشافعي، فقال في القديم: هي من ضمان البائع، وإن تلفت كلها انفسخ العقد وإن تلفت بعضها انفسخ فيه، وهل ينفسخ في الباقي؟ مبني على القولين في تفريق الصفة.
وقال في الجديد: يكون ذلك من ضمان المشتري ولا يسقطه شيء من الثمن بذلك.
وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي، ولا فرق بين القولين في أن يكون التلف بأمر سماوي مثل الثلج والربح والبرد، أو أمر أرضي كنهب أو سرقة أو غير ذلك.
وقال مالك: إن كان التالف أقل من الثلث كان من ضمان المشتري، وإن كان [قدر الثلث] (¬1) كان من ضمان البائع.
وقال أحمد: إن تلف ذلك بأمر سماوي كان من ضمان البائع، وإن كان بأرضي كان من ضمان المشتري والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه-، أخبرنا مالك، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة. أنه سمعها تقول: "ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، PageV04P118 # فعالجه وأقام عليه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تألى أن لا يفعل خيرا؟! فسمع بذلك رب المال فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، هو له".
هكذا أخرج الشافعي هذا الحديث مرسلا عن عمرة، وقد جاء مسندا عن عائشة فيما أخرجه البخاري ومسلم.
أما البخاري فأخرجه (¬1) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرجال، عن أمه، عن عائشة قالت: "سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوت خصيم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟! فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب".