ويبقى شيء آخر وهو أن تعليل المنع من بيع الرطب بالتمر إنما هو النقص PageV04P104 # المتوقع في الرطب إذا يبس؛ فيكون الرطب أنقص من التمر، وإذا قلنا: إن البيضاء في رطب السلت فإنها إذا يبست تنقص، ولفظ الحديث أنه قال: "أيهما أفضل؟ فقالوا: البيضاء" وهذا نقض لقول من ذهب إلى أن البيضاء رطب السلت فإنها تكون مفضولة لا فاضلة.
قال الشافعي في هذا الحديث: رأى سعيد نفسه أنه كره البيضاء بالسلت؛ فإن كرهها نسيئة فذلك موافق لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبه نأخذ، ولعله إن شاء الله كرها لذلك، وإن كان كرهها متفاضلا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أجاز بيع البر بالشعير [متفاضلا] (¬1) وليس في قول أحد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة.
قال: وفي حديثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دلائل منها: أنه سأل أهل العلم بالرطب عن نقصانه، فينبغي للإمام إذا حضره أهل العلم بما يرد عليه أن يسألهم عنه.
ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - نظر في معقب، الرطب فلما كان ينقص لم يجز بيعه بالتمر، وقد حرم أن يكون التمر بالتمر إلا مثلا بمثل.
وكذلك دل أن لا يجوز رطب [برطب] (¬2) لأن الصفقة وقعت ولا يعرف كيف يكونان في المتعقب.
... PageV04P105
الباب الرابع
في أمور متفرقة
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول: في بيع الحيوان متفاضلا
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا الثقة، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "جاء عبد فبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الهجرة، ولم يسع أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بعه، فاشتراه بعبدين أسودين، ولم يبايع أحدا بعده حتى يسأله أعبد هو أم حر".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
فأما مسلم فأخرجه (¬1) عن يحيى بن يحيى التميمي ومحمد بن رمح وقتيبة، عن الليث وفيه: "ولم يشعر أنه عبد" وقال: "بعنيه" بدل "بعه".
وأما أبو داود فأخرجه (¬2) مختصرا عن يزيد بن خالد الهمداني وقتيبة بن سعيد، عن ليث ... "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى عبدا بعبدين".
وأما الترمذي فأخرجه (¬3) عن قتيبة، عن الليث.
وأما النسائي [......] (¬4).
"بايع": فاعل من البيعة العهد واليمين، وكأنهما في الأصل المرة الواحدة من PageV04P106 # المبايعة: المعاهدة ولا يقال فيهما إلا بايع.
و"الهجرة" الاسم من الهجر؛ هذا هو الأصل ثم نقل إلى من خرج من بلده إلى بلد آخر تاركا للأول راغبا في الثاني، والمهاجرة مفاعلة منه.
فمعنى قوله "بايعه على الهجرة" أي على أن يهاجر إليه مع مهاجري المسلمين و"الشعور" علم حاسة؛ لأن مشاعر الإنسان حواسه؛ تقول شعرت بالشيء -بالفتح- أي أشعر أني فطنت له.
و"السيد" المولى، وأصله سيود ووزنه فيعيل عند البصريين، فلما اجتمعت الياء ساكنة وبعدها واو مكسورة قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
وقال أهل الكوفة: وزنه فعيل بوزن كريم.
و"بعه" و"بعنيه" أمر بالبيع، وقد عداه إلى مفعولين، أحدهما الياء التي هي ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم -، والثاني الهاء التي [هي] (¬1) ضمير العبد.
وفي رواية الشافعي: "أعبد هو أم حر" وفي باقي الروايات: "أعبد هو" ولم يذكر "أو حر" والمعنى من الروايتين واحد، إلا أن رواية الشافعي أظهر بيانا؛ وذلك أن المسئول عنهما يفهم من الجواب مصرحا به، فإن جواب ذلك أن يقول: عبد، أو حر.