والذي ذهب إليه الشافعي -رضي الله عنه-: أن الولاء لا يجوز بيعه ولا هبته، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر، وبه قال ابن المسيب وطاوس وإياس بن معاوية والزهري ومالك وأبو حنيفة وصاحباه.
وروي عن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها وهبت ولاء مواليها لبني العباس، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير.
وقد أخرج الشافعي -رضي الله عنه- في "سنن حرملة"، عن سفيان، عن عمرو ابن دينار، عن أبي المنهال، عن إياس بن عبد أنه قال: "لا تبيعوا الماء؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن بيع الماء، لا يدري عمرو أي ماء هو".
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب "التاريخ" (¬1)، وقال: "نهى عن بيع فضل الماء".
قال الشافعي: معنى الحديث -والله أعلم- أن يباع الماء في الموضع الذي خلقه الله عز وجل فيه، وذلك أن يأتي بالبادية الرجل له البئر ليسقي بها ماشيته ويكون في مائها فضل عن ماشيته، فنهي عن منعه؛ لأن في منعه أن يسقي ماشيته منعا للكلأ لا بملك (¬2). PageV04P052
وقد أخرج الشافعي -رضي الله عنه- عن [ابن علية] (¬1) عن حماد [عن] (¬2) إبراهيم، عن علقمة بن عبد الله: "أنه كره شراء المصاحف وبيعها".
قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا، لا يرون بأسا ببيعها.
قال البيهقي: وروينا عن زياد مولى سعد، أنه سأل ابن عباس عن بيع المصاحف لتجارة فيها، فقال: "لا نرى أن نجعله متجرا, ولكن ما عملت بيدك فلا بأس به" فكأنهم إنما كرهوا ذلك على وجه التنزيه تعظيما للمصحف عن أن يبتذل للبيع أو يجعل متجرا والله أعلم (¬3).
... PageV04P053
الباب الثاني
فيما لا يجوز فعله في البيع
وفيه ثمانية فصول
الفصل الأول في الخداع
أخرج المزني عن الشافعي قال: حدثني سفيان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر برجل يبيع طعاما فأعجبه، فأدخل يده فيه، فإذا هو طعام مبلول، فقال: ليس منا من غشنا".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (¬1)، وأبو داود (¬2)، والترمذي (¬3)، ورواية مسلم أتم من هذا.
وأخرج المزني أيضا عن الشافعي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أن رجلا ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يخدع في البيع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا بايعت فقل: لا خلابة فكان الرجل إذا بايع يقوله: لا خلابة".
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (¬4) إلا النسائي (¬5).
"والخلابة": الخداع، ومنه قال: خلبت المرأة قلب الرجل إذا خدعته بألطف وجه. PageV04P054