قال: ومن المدنيين من قال: لا بأس أن يدخلوا بغير إحرام واحتج بأن عمر دخل مكة غير محرم، قال: وابن عباس يخالفه.
وأخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم.
قال: ومن دخل مكة خائفا لحرب فلا بأس. أي هذا يدخلها بغير إحرام.
وأخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اقتلوه".
قال مالك: ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ محرما.
قال الشافعي -رضي الله عنه- حرم الله -تعالى- مكة، ثم أبان رسول PageV03P584 # الله - صلى الله عليه وسلم - عن الله -تبارك وتعالي-، أنه حرم ما كان منها من صيد وشجر، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يعضد شجرها ولا يختلي خلاها, ولا ينفر صيدها" قال: وأي صيد قتله حلال في بلد بعد مكة أو شجر قطعه فلا جزاء عليه، ويكره أن يقتله أو يقطع الشجر بالمدينة وكذلك يكره بوج من الطائف.
قال في كتاب حرملة (¬1): أخبرنا سفيان قال: حدثنا زياد بن سعد، عن شرحبيل بن سعد قال: دخل علينا زيد بن ثابت حائطا ونحن غلمان ننصب فخاخا للطير فطردنا، وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم صيدها.
قال: ولا بأس أن يرعى من نبات الحرم شجره ومرعاه، ولا خير في أن تحتش منه شيء لأن الذي حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة أن يختلي خلاها إلا الإذخر، والاختلاء والاحتشاش نتفا وقطعا، وحرم أن يعضد شجرها ولم يحرم أن يرعى.
قال: ولا خير في أن يخرج منها شيء إلى الحل لأن له حرمة مباين بها ما سواها من البلدان، فلا أرى -والله أعلم- أن جائزا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان إلى أن يصيره بغيره.
وبلغنا عن ابن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس وابن عمر أنهما كرها أن يخرج من تراب الحرم وحجارته إلى الحل شيء.
قال الشافعي -رضي الله عنه- وأخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي، عن أبيه، عن عبد الأعلى، عن عبد الله بن عامر قال: قدمت مع PageV03P585 # أمي -أو قال جدتي- مكة فأتتها صفية بنت شيبة فأكرمتها وفعلت لها، فقالت صفية: ما أدري ما أكافئها به، فأرسلت إليها بقطعه من الركن فخرجنا بها، فنزلنا أول منزل -فذكر من مرضهم وعلتهم جميعا- قال: فقالت أمي -أو جدتي-: ما أرانا أتينا إلا أنا أخرجنا هذه القطعة من الحرم، فقالت لي -وكنت أمثلهم-: انطلق بهذه القطعة إلى صفية فردها وقل لها: إن الله قد وضع في حرمه شيئا فلا ينبغي أن يخرج منه. قال عبد الأعلى: فقالوا لي: فما هو إلا أن تحينا دخولك الحرم، فكأنما أنشطنا من عقل.
قال الشافعي (رضي الله عنه) في كتاب النذور: وأحب إلي لو نذر المشي إلى مسجد المدينة أن يمشي، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: إلي مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس". قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي قباء راكبا وماشيا.
وقد أخرج الشافعي (رضي الله عنه) في سنن حرملة: عن سفيان، عن صالح بن كيسان، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قفل من حج أو عمرة أو غزو فأوفى على فدفد من الأرض، قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون -إن شاء الله تعالى- عابدون لربنا حامدون، وصدق الله وحده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".