الباب الثالث عشر
في ذكر المحرمين
قال الشافعي -رضي الله عنه- قال الله -تبارك وتعالى-: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} (¬1).
قال: المثابة في كلام العرب: الموضع الذي يثوب الناس إليه ويئوبون أي يعودون إليه بعد الذهاب عنه، وقد يقال: ثاب إليه: اجتمع إليه.
والمثابة: الاجتماع، ويثوبون: يجتمعون إليه راجعين بعد ذهابهم عنه ومبتدئين، قال ورقة بن نوفل وذكر البيت:
مثاب الأفناء القبائل كلها ... تخب إليه اليعملات الذوامل
قال خداش بن زهير:
فما برحت بنو بكر تثوب وتدعي ... ويلحق منهم أولون وآخر
قال الشافعي: وقال الله تعالى-: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} (¬2).
يعني -والله أعلم-: آمنا من صار إليه لا يتخطف اختطاف من حولهم.
وقال الله تعالى -لإبراهيم -خليله عليه السلام-: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} (¬3). PageV03P582
قال وسمعت من أرضى من أهل العلم يذكر أن الله -تبارك وتعالى-، لما أمر بهذا إبراهيم -عليه السلام- وقف على المقام فصاح صيحة: عباد الله أجيبوا داعي الله، فاستجاب له حتى من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن حج البيت بعد دعوته فهو ممن أجاب دعوته ووافاه من وافاه، يقول: لبيك داعي ربنا لبيك.
قال الله -جل ثناؤه-: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} (¬1).
فكان دلالة كتاب الله فينا وفي الأمم على الناس مندبون إلى إتيان البيت الحرام.
قال الله -تعالى-: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} (¬2)، وقال: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}.
قال: فكان مما ندبوا به إلى إتيان الحرم بالإحرام وروي عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة قال: لما أهبط الله آدم -عليه السلام- من الجنة [طأطأه، فشكى الوحشة إلى أصوات الملائكة] (¬3)، فقال: يا رب، مالي لا أسمع حس الملائكة؟ قال: "خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فإن لي بيتا بمكة فأته، فافعل حوله نحو ما رأيت الملائكة يفعلون حول عرشي"، فأقبل يتخطى موضع كل قدم قرية وما بينهما مفازة، فلقيته الملائكة بالردم، فقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.
قال الشافعي: ويحكى أن النبين (صلوات الله عليهم أجمعين) كانوا يحجون، فإذا جاءوا الحرم مشوا إعظاما له ومشوا حفاة، ولم يحك لنا عن أحد PageV03P583 # من النبيين والأمم الخاليين، أنه جاء البيت أحد قط إلا حراما, ولم يدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة- علمناه إلا حراما، إلا في حرب الفتح، فبهذا قلنا أن سنة [الله] (¬1) في عباده ألا يدخلوا الحرم إلا حراما، إلا أن من أصحابنا من أرخص للحطابين ومن مدخله إياها لمنافع أهلها.
ثم علق القول فيهم وقطع في الإملاء بالرخصة لهم.
قال: وأكره لكل من دخل مكة من الحل -من أهلها وغير أهلها- أن يدخلها إلا محرما وإن كثر اختلافه، إلا للذين يدخلونها في كل يوم من خدم أهلها الحطابين وغيرهم، فإني أرخص لأولئك أن يدخلوها بغير إحرام، ويحرمون في بعض السنة إحراما واحدا، ولو أحرموا أكثر منه كان أحب إلي.