وأخرجه أيضا: عن الشافعي، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن أسامة وكان رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة حتى أتى مزدلفة وفيه "فرجة". بدل فجوة.
قال الشافعي: أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة، فلما افترقت له الطريقان: طريق ضب وطريق المأزمين، سلك طريق المأزمين وهي التي أحب أن يسلك الحاج وهي طريق الأئمة منذ كانوا.
وقد أخرج المزني أيضا: عن الشافعي، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب -مولى ابن عباس- أنه سمع أسامة بن زيد يقول: "دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة. حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ فلم يسبغ وضوءه، فقلت له: الصلاة، فقال: "الصلاة أمامك" فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ وضوءه ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل أناس (¬5) بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا".
هذان حديثان صحيحان أخرجهما البخاري (¬6) ومسلم (¬7). PageV03P532
الفصل الرابع
في مزدلفة والإفاضة منها
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن مربوع، عن جويبر بن حويرث قال: "رأيت أبا بكر الصديق واقفا على قزح وهو يقول: أيها الناس اسفروا (¬1)، ثم دفع فكأني انظر فخذه مما يحرش بعيره بمحجنه".
هذا الحديث ذكره الشافعي في كتاب "الحج" من الأمالي، وعاد ذكره في كتاب الحج الأكبر (¬2) عقيب إسناد حديث، وذلك أنه قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. ولم يذكر لهذا إسناد متن حديث، ثم قال: وأخبرنا سفيان، عن محمد بن المنكدر. وذكر هذا الحديث.
قال البيهقي: هكذا جمع بين هذين الإسنادين في المختصر الكبير، وذلك يوهم أن يكون جابر روى عن أبي بكر الصديق مثل ما روى ابن الحويرث عنه.
قال: وعندي أنه ذكر إسناد حديث جابر، فلعله شك في شيء من متن حديثه وتركه وصار إلى حديث أبي بكر، على أن لجابر رواية في قصة دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - من مزدلفة، حين أسفر جدا قبل أن تطلع الشمس، ويشبه أن يكون حديث أبي الزبير عن جابر في إفاضة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليه السكينة وأمره بها أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف وإيضاعه في وادي محسر. والله أعلم.
والإسفار: الإضاعة وانتشار ضوء النهار.
قزح: جبل مزدلفة وهو المشعر الحرام. PageV03P533
والحرش: النخس والحرش، تقول: حرشه وخرشه -بالخاء والحاء- إذا خدشته.
قال الأزهري: حرشت جرب البعير حرشا، وخرشته خرشا إذا حككته حتى تنقشر الجلد الأعلى فيدمي ثم يطلى حينئذ بالهناء، فشبه نخس البعير بالمحجن بذلك.
والمحجن: عصا أحد رأسيها كالصولجان.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الحاج يبيت بمزدلفة ويصلي الصبح يوم العيد بها في أول الوقت جدا، ثم يدخل ويقف على قزح حتى يسفر قبل أن تطلع الشمس، ثم يدفع إلى منى قبل طلوعها.
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المزدلفة فلم ترفع ناقته يدها واضعة حتى رمى الجمرة.
قوله: "واضعة" اسم فاعل من وضعت الناقة تضع وضعا فهي واضعة: إذا سارت سيرا سريعا، والمعنى: أنه لما دفع من المزدلفة لم يزل السير على مهل؛ ولم يحرك ناقته ولا أوضعها إلى أن رمى الجمرة.