*** PageV03P529
الفصل الثالث
في الإفاضة منها
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة، حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، حتى تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، هدينا مخالف لهدي الأوثان والشرك".
قوله: "كأنها عمائم الرجال في وجوههم" وذلك أنهم إذا دفعوا من عرفة إلى مزدلفة آخر النهار قبل أن تغيب الشمس كانت حينئذ في وجوههم، لأنهم يتوجهون من عرفة إلى مزدلفة مغربين، وتشبيهه بعمائم الرجال لأن الشمس إذا دنت من الغروب احمرت لقربها من الأرض، فتبقى في وجوههم ظاهرة الاستدارة لقلة شعاعها كأنها عمامة مستديرة.
ويجوز أن يكون أراد بتشبيه العمائم: أنها إذا طلعت وإذا غربت تكون على رؤس الجبال فتبين رؤس الجبال في حالتي الطلوع والغروب؛ كأنها عمائم الرجال، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنا لا ندفع إلا بعد الغروب من عرفة، وقبل الطلوع من مزدلفة، مخالفة لما كانت عليه الجاهلية.
والهدي: السيرة والطريقة".
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه-: أخبرنا سفيان، عن ابن طاوس، عن PageV03P530 # أبيه قال: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، [ويقولون] (¬1): "أشرق ثبير كيما نغير، فأخر الله هذه وقدم هذه".
هكذا أخرج هذا الحديث والذي قبله في كتاب الحج من الأمالي، وأخرجها في كتاب "الحج الأكبر" بهذين الإسنادين حديثا واحدا، وقال فيه: وزاد أحدهما على الآخر واجتمعا في المعنى، وذكر ما سبق وقال فيه: أبرق ثبير.
وقوله: "أشرق ثبير" جبل بمنى ومزدلفة، وهو منادى قد حذف منه حرف النداء، التقدير: يا ثبير أشرق، أي ادخل في الشروق: وهو نور الشمس، لأنهم كانوا لا يفيضون منها إلا بعد طلوع الشمس على الجبال، يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وطلعت.
وقوله في الرواية الأخرى: "أبرق ثبير" فهو من البرق.
تقول: برق البرق وأبرق: إذا لمع نوره.
وقوله: "كيما نغير" أي ندفع للنحر، يقال: أغار يغير إغارة: إذا أسرع ودفع في غدوه.
وقوله: "فأخر الله هذه" يريد الدفع والإفاضة من عرفة آخره إلى أن تغيب الشمس.
وقوله: "قدم هذه" يعني: الدفع والإفاضة من مزدلفة، قدمه قبل طلوع الشمس.
وهذان الحديثان عن ابن خزيمة وطاوس مرسلان، وقد روى البخاري (¬2) هذا المعنى عن عمر بن الخطاب من رواية حجاج بن منهال، عن شعبة. PageV03P531
وفي أخرى: عن عمرو بن ميمون، عن عمر موقوفا، ثم قال: وخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأفاض قبل طلوع الشمس.
وأخرج هذا المعني أيضا: أبو داود (¬1) والترمذي (¬2) والنسائي (¬3).
وقد أخرج المزني (¬4): عن الشافعي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه سأل أسامة بن زيد -وأنا جالس معه- "كيف كان يسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص قال: والنص فوق العنق وهما ضربان سريعان من سير الإبل.