الفصل الثامن
في طواف الوداع
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينفرن أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت".
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه رخص للمرأة الحائض.
وأخبرنا الشافعي: عن ابن عيينة، عن سليمان الأحول: وهو سليمان بن أبي مسلم -خال ابن أبي نجيح وكان ثقة-، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون لكل وجه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
فأما البخاري (¬1): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان، عن ابن طاوس.
وأما مسلم (¬2): فأخرجه عن سعيد بن منصور وزهير بن حرب، عن سفيان، عن سليمان قال: في كل وجه، قال: وقال زهير: ينصرفون (¬3) من كل وجه.
وأما أبو داود (¬4): فأخرجه عن نصر بن علي، عن سفيان، عن سليمان.
وقال: حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت.
قوله: "ينصرفون من كل وجه" يريد: يرحلون عن مكة من كل وجه PageV03P500 # يكونون نازلين فيها.
وقوله: "في كل وجه" يريد: يذهبون في كل جهة يختارون من الطرق، فأما حذفه فإنما حذفها وهي مرادة، تقول: ذهب كل مذهب، أي في كل مذهب.
وقوله: "لا ينفرن" أي لا يرحل أحد عن مكة، ومنه: نفر عن منى، ويوم النفر الأول، ويوم النفر الثاني.
وقوله: "حتى يكون آخر عهده بالبيت" أي حتى يودعه ويطوف طواف الوداع، وقد صرح به أبو داود في روايته والباء في قوله: "بالبيت" متعلقة بمحذوف تقديره: واقعة وما جرى مجراه حتى يكون الجار والمجرور وما عمل فيه خبر كان، واسمها قوله: "آخر عهده" ولا يجوز أن تكون متعلقة بعهده لأنه تبقى كان بغير خبر.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن طواف الوداع إنما هو على [غير] (¬1) المكي إذا أراد الرجوع إلى أهله، لأن الوداع على من يفارق لا من يقيم.
وهذا الطواف قد اختلف فيه قول الشافعي، فقال في القديم والأم: هو نسك يجب بتركه الدم. وبه قال أبو حنيفة وأحمد والفقهاء.
وقال في الإملاء: لا يجب بتركه شيء.
فلا يكون على هذا واجبا مع الأمرين فإنه يسقط بالعذر، وقد نص عليه حيث قال: رخص فيه عن الحائض وخفف عن الحائض، وحديث صفية -زوج النبي - صلى الله عليه وسلم- مشهور. وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم.
وروي عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر أنهم أمروا بمقام المرأة الحائض لطواف الوداع. PageV03P501
قال ابن المنذر: وقد روينا عن ابن عمر وزيد بن ثابت أنهما رجعا عن ذلك.
فإن حاضت قبل طواف الإفاضة، أقامت حتى تطهر وتطوف، ثم إذا طاف المودع وخرج من غير لبث فقد حصل الوداع، فإن أقام بعد ذلك على زيارة صديق أو شرى متاع أو ما أشبه ذلك، فإنه يعود ولا يجزئه الأول، فإن قضى حاجة في طريقه لم يؤثر وداعه. وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يعتد الوداع ولو أقام شهرا أو شهرين أو أكثر.
وقال مالك: لا بأس أن يشتري لفقد جهازه ومتاعه بعد الوداع.
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لا يصدرن أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت، فإن آخر النسك الطواف بالبيت".